حفّار القبور الشجاع..

عدسة أحمد | خاص عين المدينة

في الحالات التي تعذّر فيها إخراج جثامين الشهداء من مدينة دير الزور، كانوا يدفنون فيها، في حدائقها على وجه الخصوص. والزائر اليوم لأي حديقةٍ لا بدّ أن يدرك أنه أمام مقبرة، ولا بدّ أيضاً أن يسأل من دفن كل هؤلاء الشهداء؟

إنه أبو صالح، الرجل الذي جاوز الأربعين عاماً، ومعلّم إكساء الجدران السابق، الذي تحوّل إلى حفّار قبورٍ بعد أن تطوّع لهذا العمل النبيل والإنساني والشجاع. "عين المدينة" زارت أبو صالح في موقع عمله، لتلقي الضوء على نموذجٍ فريدٍ من نماذج الثوار الذين يعملون بدأبٍ وصمودٍ وصمت. يقول أبو صالح:
اشتدّ القصف على المدينة، قبل أكثر من عامٍ. كنت أهرع مع بعض الأصدقاء لإسعاف المصابين وحفر القبور للشهداء. كانت حديقة مساكن الحزب، القريبة من منزلي، المقبرة الأولى في المدينة، وذلك لقربها من إحدى المشافي الميدانيّة، بالإضافة إلى أن القصف في بداياته كان مركّزاً في حيّ الحميديّة، لذلك لم يكن الاعتماد كبيراً على حديقتي الحضانة والمشتل. استمرّ الوضع على هذا الحال قرابة الشهرين، وبعدها دخلت حملة الحرس الجمهوري. في تلك الأثناء خوت المدينة من السكان تماماً، وأعداد الشهداء كانت كبيرة. عندها قرّرت أن أتفرّغ تماماً لحفر القبور وتوثيقها.
يستيقظ أبو صالح كل صباحٍ ويذهب إلى عمله، ليحفر يومياً قبرين إلى ثلاثة، وفي أحيانٍ أخرى يحفر ستة، وربما أكثر، وبحسب الظروف!

 

متاعب الحفر والدفن

يشكو أبو صالح من طبيعة تربة الحديقة، فهي كلسيّة والحفر فيها صعب، وقد يحتاج قبرٌ واحدٌ لساعاتٍ طويلةٍ من العمل، وخاصةً مع الأدوات اليدوية، فلا توجد أي آليات تساعد في هذا. وإذا تحطّمت المجرفة أو "الكريك"، اضطرّ أبو صالح إلى تعبئة التراب في أكياسٍ ونقله خارج الحفرة. وهناك أمرٌ آخر لا يقلّ صعوبةً عن الحفر، وهو الألواح البيتونية أو الطباقات، التي تستخدم في الدفن لعزل جثمان الميت عن التراب المردوم فوقه، لأن تأمين هذه الطباقات وصبّها أمرٌ صعبٌ، نظراً لندرة الإسمنت ومواد البناء، مما يدفع أبو صالح ـ في مرّاتٍ كثيرة ـ إلى المغامرة بحياته والتسلل إلى خطّ التماس في حيّ الجبيلة لجلب الإسمنت من بناءٍ قيد الإنشاء (قبل الحرب) يقع تحت مرمى القنّاص.

وفي مرّاتٍ أخرى اضطرّ أبو صالح لاستخدام ألواحٍ خشبيةٍ بدلاً من "الطباقات". وهناك معاناة أخرى في عمله هي الشواهد التي تحمل الاسم وتاريخ الاستشهاد، ففي البداية استخدم أبو صالح السيراميك، لكنه اكتشف أن الكتابة سرعان ما تزول عنه، ولذلك هو دائم البحث عن الأحجار الكلسيّة المصقولة، والمسمّاة بالحجر الحلبي، لتكون شاهدة القبر. لا يخلو عمل أبو صالح من المغامرة، فحفر القبور تحت القصف عملٌ خطيرٌ، وقد تعرّض لإصابةٍ في كتفه عندما سقط صاروخ في الحديقة ـ المقبرة، أثناء حفره لأحد القبور.

 

أين كانت إصابة الشهيد؟

حفار-القبور

يعتبر أبو صالح شخصيةً معروفةً من السكان ومقاتلي الجيش الحرّ، فبابه يطرق في كل الأوقات. وكثيراً ما يأتي مقاتلو الحرّ في منتصف الليل ليخبروه أن شهيداً سيُدفن في الصباح ويحتاجون إلى قبر. وعندما يعود إلى بيته بعد يوم عملٍ شاقٍّ يجد زواراً يسألون عن مكان قبر شهيدٍ، ويسألون أيضاً عن اللحظات والهيئات الأخيرة التي بدا عليها فقيدهم قبل دفنه. فأبو صالح هو آخر من رأى الشهيد قبل أن يوارى التراب، وهو من يحفر القبر وينزل الميت إلى مكانه قبل الدفن، وهو أيضاً من حفر 150 قبراً وثلاثة خنادق كمقابر جماعية في أوقات المجازر، فهو من دفن شهداء مجزرة البرّية الذين قضوا حرقاً على أيدي قوات الحرس الجمهوري قبل أكثر من عام، ودفن أيضاً عوائل بكامل أفرادها، ودفن معارف وأقرباء وأصدقاء وجيران.
لا يتلقّى أبو صالح دعماً من أحد. وهو يقول إن الكثيرين عرضوا عليه مالاً مقابل عمله، ولكنه رفض ذلك فهو يعمل لوجه الله، ودعاء الناس والجيران له في السرّ والعلن يكفيه.