lang.HOME http://ayn-almadina.com/ ar 2021-03-07T20:54:53 الطَّليعة المقاتلة في ديرالزور واتجاه الإخوان إلى السلاح.. والخارج (6) من (7) http://ayn-almadina.com/details/5038/5038/ar 5038 date2021-01-28 16:51:15 ayn-almadina توجَّه عدنان عقلة* إلى محافظات أخرى في محاولة لتوسيع المواجهة مع السلطة، والتخفيف عن مدينة حلب التي استشهد منها المئات في صيف عام 1980 وحده، وكانت ديرالزور من المحافظات التي قصدها، وربما شجَّعه على هذا التوجه التحاق بعض أبناء الدير بتنظيم &rdquo...
الطَّليعة المقاتلة في ديرالزور واتجاه الإخوان إلى السلاح.. والخارج (6) من (7)

الطَّليعة المقاتلة في ديرالزور واتجاه الإخوان إلى السلاح.. والخارج (6) من (7)

رادار المدينة

توجَّه عدنان عقلة* إلى محافظات أخرى في محاولة لتوسيع المواجهة مع السلطة، والتخفيف عن مدينة حلب التي استشهد منها المئات في صيف عام 1980 وحده، وكانت ديرالزور من المحافظات التي قصدها، وربما شجَّعه على هذا التوجه التحاق بعض أبناء الدير بتنظيم ”الطليعة المقاتلة" في حلب، ويُعرف منهم الطالب الجامعي إبراهيم عجاج، الذي استشهد مع زوجته وطفله في إحدى المداهمات والاشتباكات مع قوات السلطة. كانت الدير إحدى الوجهات التي لاقى فيها عدنان عقلة فيها استجابة كبيرة، لكنها انحصرت ولأسباب عدة، في جماعة الأستاذ عصام العطار على وجه التحديد، واندفع للالتحاق بها عشرات الشبان بحماسة منقطعة النظير، وخلال فترة قصيرة أصبح لـ“الطليعة“ تنظيم قوي في ديرالزور، على رأسه الأستاذ هاشم شعبان وشخصيات أخرى معروفة.
الأستاذ هاشم شعبان شخصية معروفة في ديرالزور، له مكانة طيِّبة وشعبية كبيرة بين الشباب من طلاب المدارس الثانوية، لطبيعة شخصيته المحببة وطيبته ودماثة خلقه، وكان من أنجح أساتذة الرياضيات في المحافظة، يعطي الدروس الخاصة المجانية، ولا يتوانى عن تقديم المساعدة لأحد. وكان عاملاً أساسياً في الاستجابة السريعة لدعوة ”الطليعة“ بعد أن تبنَّاها بنفسه، وأسس من خلالها وجوداً فعلياً لهذه الجماعة في ديرالزور استمر لفترات طويلة لاحقة، حتى بعد أن غادر أفرادها سورية، وكان لها تمثيل سياسي في بعض الدول تولاه أحياناً أفراد من ديرالزور، ولعل هذا الأمر يفسر عودة الطليعة للظهور مجدداً فيها في أحداث ثورة 2011. كانت عشوائية النظام في الملاحقات والاعتقالات قد طالت مئات من الشباب من غير الإخوان والطليعة، وجعلت حالهم حال الإخوان والطليعة، وبنفس الطريقة وضعهم أمام خيار الموت في المواجهة أو تحت التعذيب أو الإعدام، وهكذا آثرت أعداد كبيرة أن تواجه النظام بينما اعتقل وفر إلى الخارج كثيرون. وهكذا رافق الاستجابة التي لاقتها الطليعة في ديرالزور، الكثير من الاندفاع والحماس والتسرع، دون إعداد وتهيئة، في منطقة مثل ديرالزور بعيدة عن مركز السلطة، ولم تكن فيها مجموعات مسلحة بالأساس، وجاء ذلك مع تسارع احتدام الصراع، مما أدى إلى الكثير من الارتجال والفوضى التي بدت بوضوح على تصرفات أكثر الشباب، وكان بالإمكان ملاحظتها بسهولة من خلال كثرة الحركة والتنقل، والتجمعات العلنية أمام أبواب المساجد، والقيام ببعض الأعمال المتهورة، ما أدى إلى رصدهم وسرعة ملاحقتهم، خاصة وفق طريقة السلطة التي تعتمد العشوائية في الملاحقة والاعتقال، دون انتظار وتحديد المطلوبين بالضبط. لم تحصل في ديرالزور صدامات مسلحة، باستثناء عمليتين فشلت أولاهما قبل أن تبدأ، واعتقل أحد منفِّذيها ونجا الآخر، في حين استهدفت الثانية العقيد أحمد سليمان قائد الشرطة العسكرية في المحافظة (ابن خالة حافظ أسد)، وأدت إلى مقتله، لكن العملية لم تكن محكمة بحيث تم التعرف على الفاعلين، والقيام بحملة اعتقالات واسعة النطاق طالت العشرات من أقارب الملاحقين وذويهم، وتفاقم الوضع في المحافظة بصورة سريعة. ومع صدور القانون 49، تضاعفت حملة الملاحقات والاعتقالات في الريف والمدينة، وربما ساعدت اعترافات بعض المعتقلين على توسيع دائرة الملاحقات، إلا أن تعمُّد الاعتقال العشوائي من قبل السلطة، والذي طال أهالي الملاحقين وأقربائهم ومعارفهم وأخذهم بصفة رهائن، ضاعف أعداد المعتقلين بصورة كبيرة، واضطر أعداداً إضافية أخرى إلى مغادرة سورية. وقد بات من الأمور المسلمة، أن يصبح الموت هو الخيار الوحيد المتاح، سواء في المواجهات المسلحة مع السلطة، أو تحت التعذيب أو بالإعدام. يذكر هنا أن جماعة الإخوان وبالتنسيق مع الدول المجاورة، ساعدت في إخراج أعداد كبيرة من الملاحقين وعوائلهم وعوائل المعتقلين من سورية، وكان لعدد من أبناء المحافظة دور كبير في هذه العملية، وإيصال الكثيرين إلى برّ الأمان، حتى ما بعد أحداث حماة وصيف 1982. أصبح الأستاذ هاشم شعبان ممثلاً للطليعة في العراق، وقام من خلال عمله هذا بمساعدة الكثير من السوريين بصرف النظر عن انتماءاتهم؛ لكنه ابتعد قليلاً عن العمل الرسمي عام 1981 ثم عاد ليظهر مجدداً وبقوة بعد أحداث حماة، ويقود مفاوضات مع السلطة أدت إلى عودته إلى سورية مع عشرات من الشباب الذين كانوا على رأيه. 
استمرت هذه العودة حتى عام 1984، لكنها لم تشمل سوى أعداد قليلة. وقد نُقل عنه أنه بذل قصارى جهده في التخفيف من آثار الأحداث والحد من الملاحقات وتسهيل عودة البعض، ولم يطل به العمر حتى توفي بعد سنوات قليلة، وبدا أنه تأثر كثيراً بغدر رجال السلطة به وعدم التجاوب معه كما وعدوه (حسبما نقل بعض المقربين منه) وربما بغدر السلطة بزميله عدنان عقلة الذي استدرج إلى سوريا في الفترة نفسها التي كان هاشم شعبان يتفاوض فيها مع السلطة، ليقع في قبضة المخابرات مع حوالي ثمانين من شباب الطليعة ما لبثوا أن أُعدموا جميعاً، وكان بينهم عدد من الديريين. لم يكن خيار مغادرة سوريا متاحاً أمام الجميع، فاضطر الكثيرون إلى الاختباء والتخفي بانتظار وسيلة ما، لكنهم سرعان ما يُعتقلون لأسباب باتت أسهل من أن تُذكر، كما حدث مع العشرات من شباب الإخوان الديريين الذين كانوا في دمشق، بعد أن داهمت المخابرات منزلهم وأقامت فيه لفترة طويلة، وصارت تعتقل كل من يأتي إليه حتى تجاوز عدد المعتقلين 45 شخصاً بينهم الأخوة هشام بجعة ونبيل السراج، والكثير ممن لا علاقة لهم بالإخوان. كان الأمل بإمكان إسقاط السلطة أو تغييرها، قد شجع الإخوان على التفكير ولأول مرة ببدائل جدية، تمثلت بحركة انقلابية يقودها ضباط عسكريون، وهو الأمر الذي رفضه الإخوان في مرات سابقة كما ورد في مذكرات عدنان سعد الدين، لكنهم هذه المرة قبلوا بالتعاون مع ضباط لم يكونوا تابعين للإخوان لكنهم أبدوا استعدادهم للتعاون معهم، خاصة وقد بدت الأجواء السياسية مشجعة إلى حد كبير، فكان هذا العامل الحاسم الذي دفع الإخوان لتشجيع ما تبقى من أتباعهم على مواجهة النظام وعدم الاستسلام له، ومن ثم البحث جدياً في تسليحهم، لأنهم سيكونون بحاجة ماسة لهم في حال حدوث عملية الانقلاب التي يجري التحضير لها. فكان أن أصدر الإخوان قراراً بمواجهة النظام، والبدء بتدريب وتسليح مئات الشباب كلهم كانوا خارج سورية، بانتظار ما سيحدث. كان إبعاد بعض الشباب إلى الخارج خطوة اضطرارية، لكنها شجعت الإخوان على المضي قُدُماً في الانفتاح السياسي على بعض الدول، لاسيما المجاورة لسوريا، ليس لتسهيل خروج الشباب وحسب، وإنما لإيصال وجهات نظرهم، والبحث عن سبل للتعاون في تحقيقها. نجحوا أولاً في تركيا التي كان الإسلاميون فيها في بداية صعودهم. لم يكونوا في السلطة لكنهم قدموا تسهيلات في هذا الصدد، أتاحت للإخوان إقامة أولى صلاتهم الخارجية عام 1977، وساعدتهم في إيواء العديد من الملاحقين. ومع أن عدداً من الشباب لجأوا إلى العراق في الفترة نفسها، إلا أن توجه الإخوان نحو العراق تأخر حتى أواخر عام 1979، بعد أن تفاقمت الأحداث وزادت بكثرة أعداد المهجرين.  تتالت بعد ذلك العلاقات السياسية خاصة بعد انفجار الأحداث، واستقبل الإخوان في العديد من الدول بحفاوة كبيرة، مثل مصر والمغرب وماليزيا وباكستان وإندونيسيا والسعودية وسائر دول الخليج، ويمكن الحديث عن حقبة ذهبية في النشاط السياسي للإخوان، اتسعت لتشمل العلاقة مع عشرات الجهات الحكومية والحزبية والمؤسسات المدنية، مما كان له أكبر الأثر في تخفيف المشكلات الكبرى التي أعقبت الأحداث.   *عدنان عقلة: قائد تنظيم ”الطليعة المقاتلة“ معاذ السراج: من مواليد ديرالزور 1954، مهتم بتاريخ سوريا المعاصر والحركات الإسلامية، عضو في جماعة الإخوان المسلمين منذ 1973، عضو سابق في مجلس شورى الجماعة ومكتبها السياسي.

]]>
معسكرات عياش.. أهم المواقع الإيرانية التي هاجمتها إسرائيل في ديرالزور http://ayn-almadina.com/details/5039/5039/ar 5039 date2021-01-29 16:20:35 ayn-almadina في فجر يوم الـ13 من كانون الثاني الجاري، شن الطيران الإسرائيلي الهجوم الأعنف والأوسع على مواقع اتخذتها إيران كمقرات لميليشياتها في ديرالزور، وتوزعت الضربات التي شملها الهجوم على امتداد الضفة اليمنى لنهر الفرات في المحافظة. وتشير المعلومات إلى أن أهم ...
معسكرات عياش.. أهم المواقع الإيرانية التي هاجمتها إسرائيل في ديرالزور

معسكرات عياش.. أهم المواقع الإيرانية التي هاجمتها إسرائيل في ديرالزور

رادار المدينة

في فجر يوم الـ13 من كانون الثاني الجاري، شن الطيران الإسرائيلي الهجوم الأعنف والأوسع على مواقع اتخذتها إيران كمقرات لميليشياتها في ديرالزور، وتوزعت الضربات التي شملها الهجوم على امتداد الضفة اليمنى لنهر الفرات في المحافظة. وتشير المعلومات إلى أن أهم تلك المواقع المستهدفة يتمركز في قرية عياش غرب المدينة، ويحيطه الحرس الثوري الإيراني بحراسة وتشديد أمني إلى درجة منع طواقم الهلال الأحمر من الدخول إليه بعد الاستهداف، ليكتنفه الغموض والسرية التي تحاول هذه المادة كشفها بما تُقدمه من معلومات حصرية عن مصادر خاصة. استهدفت الضربات التي قاربت الخمسين ضربة، مناطق عدة في مدينة ديرالزور ومحيطها (فرع المخابرات العسكرية، مقرات ومستودعات للميليشيات في أحياء العمال وهرابش والبغيلية والمطار العسكري) ومدينتي البوكمال والميادين، ومن جملة النتائج المباشرة للضربات، تدمير ثلاثة مستودعات للأسلحة في قرية عياش.  تقع عياش (10 كم عن مدينة الدير) في ريف ديرالزور الغربي، على الضفة اليمنى لنهر الفرات. تداولت اسمها مواقع الإعلام في سنوات الثورة لوجود أربع نقاط عسكرية مهمة للنظام فيها: تلة الحجيف ومركز الإذاعة ومعسكر الصاعقة ومستودعات التسليح، التي سيطر عليها تنظيم الدولة بداية العام 2016، ولكنه فشل في العثور على صواريخ (سام 6) التي اعتقد بوجودها في المستودعات، قبل أن يعاود النظام السيطرة عليها في أيلول من العام 2017.  بعد سيطرته على الضفة اليمنى لنهر الفرات من ديرالزور، بمساعدة الطيران الروسي والميليشيات الإيرانية، سلَّم النظام موقعَي الإذاعة وتلة الحجيف في عياش للأخيرة مع الاحتفاظ ببعض النقاط فيها، بينما تخلى كلياً عن المعسكر والمستودعات لما لموقعها الجغرافي من أهمية، إذ يُعتبر المكان بوابة مدينة ديرالزور من الغرب، ويرتبط من الجنوب باللواء 137 على طريق دمشق، إضافة لما يؤمِّنه من سهولة التواصل العسكري بين نقاطه المنتشرة في محافظات ديرالزور وحلب وحماة. تشكل المستودعات خزاناً استراتيجياً بناه النظام في أواخر القرن الماضي ليكون "رديفاً ومخزناً" لموقع محطة المفاعل النووي ببلدة الكبر في الجهة المقابلة من النهر، والذي دمَّره الطيران الإسرائيلي كذلك في أيلول 2007، في عملية وصفت بـ"النوعية" آنذاك. أما اليوم، وحسب مصادر خاصة مطلعة، فقد حوَّلت الميليشيات الإيرانية معسكر الصاعقة إلى مركز تدريب أغرار "كتائب أبو الفضل العباس“، ويضم معسكراً للتدريب يعتبر الأكبر في المنطقة، ومركزاً "للقيادة والإشراف" على المستودعات التي يتولى حراستها كل من ميليشيا ”فاطميون" الأفغاني و”زينبيون“ الباكستاني، كما يستقبل المركز ذاته الحافلات العراقية التي تقلُّ الوافدين العسكريين الإيرانيين الجدد.  نظراً لأهمية المعسكر والمستودعات، ودائماً، حسب المصادر الخاصة، فقد أحاطت الميليشيات الإيرانية المنطقة التي تقع فيها بالسواتر الترابية وحجرات الحراسة، في حين قامت بتمويه أسطح المستودعات بأكياس التراب على جوانبها الظاهرة، التي تعتبر بوابات لمستودعات تحت الأرض أقيمت مؤخراً، تربط بينها أنفاق تحت الأرض جرى العمل عليها في أوقات الليل. وأخبرت المصادر الخاصة ”عين المدينة“، أن الحرس الثوري يمنع دخول السوريين إلى المعسكر أو الاقتراب من المستودعات، الأمر الذي جعل الكثير من المنتسبين السوريين إلى الميليشيات يطلقون لخيالهم العنان حول محتويات الموقع، والتي يعتقد البعض أنها "أسلحة ثقيلة وطائرات مسيرة"، خاصة أنه يضم أكثر من ألف عنصر يشرف عليهم عدد من قادة الحرس الثوري الإيراني، بينما يرتبط بهم متطوعون محلِّيُّون يصل عددهم إلى 300 عنصر معظمهم من أبناء محافظة ديرالزور، يتبعون إلى الحرس الثوري مباشرة، ويشكلون نقاط حراسة خلفية ومتأخرة للمركز والمستودعات، بقيادة المدعو (أبو ساري/ فايز الجضعان) من محافظة الحسكة.

أحد مستودعات عياش والحجم الحقيقي له تحت الأرض - خاص

ذات المستودع بعد القصف - خاص

]]>
أزمة السويداء.. انقسامٌ جديد والنظام يرفض الاعتذار http://ayn-almadina.com/details/5040/5040/ar 5040 date2021-02-01 14:22:42 ayn-almadina تتزايدُ حدّة ردود الفعل الشعبية في محافظة السويداء، أقصى الجنوب السوري، إثرَ الأزمةِ التي اشتعلَ فتيلُها قبل نحوِ أسبوعٍ بينَ ”الرئاسة الروحية لطائفة المسلمين الموحّدين الدّروز“ وفرع الأمن العسكري في السويداء. فالأزمةُ التي يُمكنُ أن توصف...
أزمة السويداء.. انقسامٌ جديد والنظام يرفض الاعتذار

أزمة السويداء.. انقسامٌ جديد والنظام يرفض الاعتذار

رادار المدينة

تتزايدُ حدّة ردود الفعل الشعبية في محافظة السويداء، أقصى الجنوب السوري، إثرَ الأزمةِ التي اشتعلَ فتيلُها قبل نحوِ أسبوعٍ بينَ ”الرئاسة الروحية لطائفة المسلمين الموحّدين الدّروز“ وفرع الأمن العسكري في السويداء. فالأزمةُ التي يُمكنُ أن توصفَ بأنّها "داخلية" بين موالي النظام، يبدو أنّها باتت تُشغلُ الحيّزَ الأكبر من الأحاديث العامّة، مُشكّلةً ما يُشبهُ رأيًا عامًا في المحافظة، التي اختطّت لنفسِها مسارًا مغايرًا عن بقيةِ المحافظات السورية منذُ اندلاعِ انتفاضة السوريين على النظام الحاكم. غير أنّ السويداء، التي كان الانقسامُ السمة الأبرز من بين سمات الرأي العام فيها منذُ آذار ٢٠١١، لم تتخذ هذه المرّة مسارًا مغايرًا، إذ يبدو أنّ الرأيَ العامَ فيها ما زالَ يُفضّلُ الانقسام، حتّى إزاءَ الأزمة الأخيرة التي أفضت إلى الغليان في المحافظة، ذات ردود الأفعال الفاترة عادةً. اشتعلَ فتيلُ الأزمة عندما اختُطفَ فتىً يُدعى "سراج الصحناوي" كان يُعتقدُ أنّهُ مختطفٌ لدى أحد الأفرع الأمنية، فكانَ أن اختطفَتْ في المقابل إحدى الميليشيات المحلية (تقولُ مصادر إعلامية إنها من عائلة الشاب) ضابطًا برتبةِ ملازمٍ أول ينحدرُ من مدينة القرداحة. على إثرِ ذلك تمّ التواصلُ بينَ الوجهاء المحليين والمشايخ للتوسّط وتفادي نشوب أزمة، وبالفعل تمّ إطلاقُ سراح الضابط المختطف، في مقابل وعود بإطلاق سراح الفتى. إلّا أنّ ذوي الشاب سراج الصحناوي فوجئوا، حينَ ذهبوا لاستلامِ الفتى، بردّ فرع الأمن العسكريّ بأنّ "الصحناوي" ليسَ موجودًا لديهم، فتوجّهوا إلى أعلى سلطة دينية في المحافظة، للاستفسارِ وشكوى الغدر.  يوم الأحد ٢٤ كانون الثاني، قام حكمت سلمان الهجري، وهو شيخ العقل الأول لطائفة المسلمين الموحّدين الدُّروز، أعلى هيئة روحية في المحافظة، والمعروف بمواقفه المؤازرة للنظام، بالاتصال بالعميد لؤي العلي، رئيس فرع الأمن العسكري في السويداء، للمطالبة بالالتزامِ بوعدِ الإفراج عن الشاب، وعندئذٍ كانت البداية الفعلية للأزمة. فالردّ الذي جاء على لسان العميد العلي، جاء ”مُهينًا" حسبما نقلت عدّة مصادر داخل المحافظة، والإهانة، غير المحسوبة ربّما، لم تطل الشيخَ لوحده، بل طالت المحافظة وأهلها، بالإضافةِ إلى الشيخ الهجَري. خروجُ تفاصيلِ المُشكلة إلى الإعلام، والذي تأخرَ لمدةِ يومين على أملِ احتوائها قبلَ ذلك، جعلَها تتصدّرُ واجهةَ الأزمات التي تزخرُ بها محافظةُ السويداء، الأمرُ الذي صعّبَ إمكانية حلِّها. فقد وُضعَ الشيخُ الهجري في موقفٍ مُحرجٍ أمام أبناء طائفته، ولم يعد، فيما يبدو، قادرًا على الرضوخِ لمطالباتِ التهدئة، إذ لم تكد تنقضي الساعات الأولى بعد تسريبِ وقائعِ المشكلة، حتّى أمّتْ جموعٌ من أبناء السويداء مضافةَ آل الهجري في بلدة قنوات، ذات الرمزية الخاصّة لدى أهل المحافظة، مطالبةً بردّ الإهانة، ومؤازرةً الشيخ في مواجهة العميد العلي. ويبدو أنّ ردود الأفعالِ المتصاعدة فاجأتْ مسؤولي الدولة، إن كان في السويداء أو في دمشق، فقد بدأ السعيُ الحكوميّ للمصالحة بعد يومين، بإرسال النظام وفدين من مسؤولي المحافظة إلى مضافة الشيخ الهجري للاعتذارِ عمّا بدر، إلّا أنّهما عادا بخُفّيْ حُنينْ، بعد رفضِ اعتذارهما من قِبلِ بعضِ المُتحدّثين من الحضور (ممثلو بعض الفصائل المحلية والعائلات) باعتبارِ أنّ ”من أخطأ لم يعتذرْ، لا هوَ ولا من عيّنهُ في هذا المنصب“. وعلى الرغم من أنّ الخلافات بين ممثلي النظام العسكريين وممثليه المدنيين في محافظة السويداء ليست جديدةً منذُ بدءِ الثورة السورية، وعلى الرغمِ من أنّ استصغارَ ممثلي الدروز، سواء كانوا مشايخَ أم زعماء زمنيين، ليس جديدًا هو الآخر، إلّا أنّ احتواء كلّ الخلافات السابقة جعلها تأخذُ شكلَ "المواقف المتباينة" أكثر من كونها أزمة، ولعلّ خروجها إلى العلن هذه المرّة جرّدها من احتمالية الخلافِ الذي "لا يُفسدُ للودّ قضية". ذلك بالإضافةِ إلى ما قرأهُ أبناء السويداء من استصغارٍ في سلوك النظامِ تجاههم، حيثُ أنّ المُهينَ هوَ رئيسُ فرع الأمنِ العسكريّ في السويداء، وهو رجلُ إيران في المنطقة الجنوبية وصاحبُ الدورِ الرئيسيّ في اتفاقيات المصالحة مع الفصائل المحلية في درعا أواسط العام ٢٠١٨ والذي أفضى إلى إعادة إحكام النظام والقوّات المُساندة لهُ قبضتهم على مهدِ الثورة السورية. وهوَ نفسُهُ، العميد لؤي العلي، الذي سبقَ وذُكر اسمُهُ في تقرير منظمة هيومان رايتس ووتش في العام ٢٠١١ المُعنون بـ "لم نرَ مثل هذا الرعب" كأحدِ المسؤولينَ عن الجرائم التي تُرتكبُ بحقّ المدنيين في درعا، أي أنّ العميد العلي، خليفةُ وفيق ناصر (ضابط الأمن سيئ الصيت في السويداء)، هو رجلُ بشّار الأسد في المنطقة، فإذا كانَ هذا الرجلُ هو الذي أهانَ "الدروز" فما الذي يدفعُ السلطة إلى إرسالِ محافظِ السويداء وأمين فرع الحزب للاعتذارِ عنه؟ من ثمّ، ما هو مُبرّرُ إرسال اللواء "ياسر الشوفي" عضو اللجنة المركزية في حزب البعث، وهو من أبناء السويداء، للاعتذارِ إلى شيخِ العقل، محملًا برسالة اعتذارٍ من الأمين القطريّ المساعد للحزب هلال هلال؟ لعلّ ترسيخَ الإهانةِ يكمنُ في مفاجأةِ السلطةِ من ردّة الفعل الشعبية إزاء ما جرى في السويداء، وكأنّ السلطةَ لم تملّ من السؤال: أيُعقلُ أن نُهينكم وتحتجون؟!. يبقى أنّ هذه الأزمة لم تُساهم هي الأخرى بأخذِ موقفٍ واحدٍ في السويداء، ففي حين يعتبرُ البعضُ ما جرى إهانةً يجبُ ألا يُسكتَ عنها، وإن كانت موجهةً لشيخ العقل الأكثر التصاقاً بالنظام السوري، وأنّ تمريرَها بدونِ حساب سيفتحُ الطريق أمام إهانة الجميعِ بدونِ حسابٍ أيضًا، ولهذا الرأي أنصار حتى في صفوف المعارضة السورية من أبناء السويداء، على الرغم من خلافِهم مع الشيخ الهجري. فإنّ البعضَ الآخر يرى أنّها مشكلة بين أزلامِ النظام، وهي على ذلك "شأن داخلي" لا حاجةَ للتدخلِ فيه، باعتبارِ أنّ "زيتَ النظامِ في عجينِه".

]]>
علاقة الإدارة الذاتية بمؤسسات النظام الخدمية والإدارية http://ayn-almadina.com/details/5042/5042/ar 5042 date2021-02-02 17:54:07 ayn-almadina عادت المياه إلى مجاريها في مدينة الحسكة، كما عادت الكهرباء إلى منازل أهالي مدينة رأس العين شمال الحسكة، بعد انقطاع دام حوالي أسبوع، وهو الانقطاع الثامن عشر الذي تشهده مدينتا الحسكة ورأس العين منذ انطلاق عملية "نبع السلام" تشرين الأول 2019. ...
علاقة الإدارة الذاتية بمؤسسات النظام الخدمية والإدارية

علاقة الإدارة الذاتية بمؤسسات النظام الخدمية والإدارية

رادار المدينة

عادت المياه إلى مجاريها في مدينة الحسكة، كما عادت الكهرباء إلى منازل أهالي مدينة رأس العين شمال الحسكة، بعد انقطاع دام حوالي أسبوع، وهو الانقطاع الثامن عشر الذي تشهده مدينتا الحسكة ورأس العين منذ انطلاق عملية "نبع السلام" تشرين الأول 2019. وتعبّر هذه الانقطاعات عن العلاقة الملتبسة والإشكالية بين الأطراف المتصارعة في الحسكة، خاصة النظام و"الإدارة الذاتية"، التي يحيجها تسيير المصالح الخدمية والإدارية ونقص الخبرات لديها إلى التعامل مع مؤسسات النظام وبيروقراطييه الذين يتحكمون بمفاصل مهمة من صراع الخدمات الجاري.
 
تشهد كل عملية انقطاع سيل من الاتهامات المتبادلة بين الأطراف المسيطرة في محافظة الحسكة، فالمجلس المحلي لمنطقة رأس العين من طرف، و“الإدارة الذاتية“ من طرف ثان، والنظام من طرف ثالث. ويعود سبب الاتهامات المتبادلة إلى كون محطة مياه علوك التي تغذي مدينة الحسكة تقع تحت سيطرة ”الجيش الوطني“، في حين تقع محطة كهرباء الدرباسية (52 كم شرق رأس العين) التي تغذي المحطة ومدينة رأس العين بالكهرباء، تحت سيطرة ”الإدارة الذاتية“. 
 
وفي كل مرة تنقطع المياه عن مدينة الحسكة، يتهم النظام عبر وسائله الإعلامية الجيشين "الوطني" والتركي كونهما مسيطرين على المنطقة التي تقع فيها محطة مياه الشرب في قرية علوك شمال الحسكة بحدود 70 كم، الأمر ذاته مع الإدارة، التي ترى أن "الحل الوحيد لحل مشكلة المياه نهائياً هو إخراج محطة مياه علوك من يد الجيش التركي"، وتتهم مجلس رأس العين المحلي بسرقة الكهرباء المخصصة للمحطة، حسب ما صرحت الرئيسة المشتركة لمديرية المياه التابعة للإدارة سوزدار أحمد لوكالة ”هاوار“.
 
في المقابل يرجع المجلس المحلي في مدينة رأس العين السبب إلى انقطاع خط الكهرباء الذي يغذي المحطة، القادم من محطة كهرباء الدرباسية، والذي تسيطر عليه قوات الإدارة، ويصر أنه "لا مشكلة لديه في إيصال المياه إلى مدينة الحسكة إذا تم إيصال الكهرباء" حسب تصريح أحد أعضاء المجلس رفض الكشف عن اسمه.
 
على أن السبب يعود في كلا الحالتين إلى النظام الذي مازال يتحكم بمفاصل المؤسسات الخدمية والإدارية في الحسكة، وعلاقة الإدارة بتلك المفاصل، بسبب نقص الخبرات لديها وسيطرة النظام على ”الكونترول“ الخاص بالخدمات. 
 
فالعلاقة التي تجمع بين النظام و“الإدارة الذاتية“ في الجانب الخدمي والإداري، ما زالت تقوم على تبادل المنافع والخدمات، لكن وفقاً للسياق السياسي المحلي الذي يحكم علاقة وحدات حماية الشعب بالحكومة السورية سابقاً، ثم ”قوات سوريا الديمقراطية“ لاحقاً وضمن التدخلات الدولية والإقليمية. ويحدد السياق مجموعة الأوراق التي يمتلكها "حزب الاتحاد الديمقراطي" حيال مسألة الحكم الذاتي ومداه، ويبدأ في الحد الأدنى من وظيفة تسيير الأمور والحفاظ على المناطق التي يسيطر عليها إلى حين، وتنتهي بمدى جدية الإدارة الأمريكية في الإبقاء على قواتها في منطقة الجزيرة التي تحكم فيها ”الإدارة الذاتية“. 
 
وبنظرة أولية إلى المؤسسات الخدمية، تظهر سيطرة ”الإدارة الذاتية“ شبه الكاملة عليها، وتملك وفق ذات النظرة مؤسسات النظام ومديروها مرونة واستقلالية كافية للتحرك وعقد صفقات وتبادل خبرات مع الإدارة، الأمر الذي يظهر من خلال صفقة تزويد مناطق النظام في الجزيرة بمادة المازوت، وذلك وفق اتفاق أجراه محافظ الحسكة مع الإدارة الذاتية بعد سيطرة "وحدات الحماية الكردية" على أغلب أحياء مدينة الحسكة ومحاصرتها المستمرة للمربع الأمني في شهر آب 2016.
 
ففي المناطق التي تسيطر عليها "قوات سوريا الديمقراطية (قسد)" -باستثناء ديرالزور والرقة التي انتقلت مؤسسات النظام فيها إلى مناطق سيطرته في مدينة ديرالزور وحماة- يظهر من سير الحياة اليومية تحكّم سلطات ”الإدارة الذاتية“ بالمؤسسات الخدمية التي ما زالت تقع في مناطقها، لكن الدخول في الكواليس يبيِّن خلاف ذلك، حيث أنشأت الإدارة مديريات وهياكل موازية لتلك التابعة للنظام، مهمتها العمل كصلة وصل بين مؤسسات النظام ومتلقي الخدمات من المواطنين، وتتكفل ”الإدارة الذاتية“ بتسديد عائدات تلك الخدمات بعد أن تقوم بالجباية لصالحها.
 
ينطبق ذلك مثلاً على مديريتي الكهرباء والتموين، بينما تعمل بعض المؤسسات دون عائدات مرجوة للمؤسسة باستثناء مكافآت تصرفها الإدارة للعاملين "النظاميين" فيها، وذلك ينطبق على مؤسسة المياه، في حين تتعايش هياكل ومديريات النظام و“الإدارة الذاتية“ في حالات أخرى مثل التعليم والمحاكم، ويعمل قسم من ذوي الخبرة في هذين المجالين (الموجهون التربويون والقضاة) في مؤسسات الطرفين التي تعمل متجاورة، ولا تشمل تلك الحالة "التشاركية" و"التبادلية" مع النظام الهيئات التي شكلتها ”الإدارة الذاتية“ لتنظيم شؤون هياكلها الداخلية، مثل "مجالس الأحياء والمدن والأقاليم“، أو الهيئات الأهلية مثل "بيت الشعب".
 
لم يطرأ أي تغير من الناحية الإدارية في المؤسسات التابعة للإدارة الذاتية بعد الاتفاق الذي جرى بين الأخيرة و”قسد“ (تشرين الأول 2019). ويتطابق الواقع الإداري في المؤسسات والهيئات والمديريات الخدمية في المناطق التي تسيطر عليها ”الإدارة الذاتية“ مع تصريحات مسؤوليها بأن الاتفاق مع دمشق "هو اتفاق أمني عسكري فقط ولا يشمل الامور الإدارية"، لأن الواقع الذي يلمسه متلقو الخدمات من تحكم ”الإدارة الذاتية“ في العمليات الإجرائية اليومية، يحجب الواقع الفعلي الذي يسيطر فيه بيروقراطيو النظام على مفاصل المؤسسات الحيوية، والذي من خلاله يمكنهم التحكم بتدفق الكهرباء أو حجبها.

]]>
فزعة_أهل_النخوة.. حملة ديرالزور لإغاثة أبنائها النازحين http://ayn-almadina.com/details/5044/5044/ar 5044 date2021-02-03 17:52:38 ayn-almadina في يوم 23 من شهر كانون الثاني الماضي، باشر ناشطون من محافظة ديرالزور حملة أطلقوا عليها اسم "فزعة أهل النخوة" لمساعدة النازحين من أبناء المحافظة في مخيمات إدلب وحلب، بعد الأمطار الغزيرة التي تسببت بنكبة جديدة لنزلاء المخيمات. يقول عضو الم...
فزعة_أهل_النخوة.. حملة ديرالزور لإغاثة أبنائها النازحين

فزعة_أهل_النخوة.. حملة ديرالزور لإغاثة أبنائها النازحين

رادار المدينة

في يوم 23 من شهر كانون الثاني الماضي، باشر ناشطون من محافظة ديرالزور حملة أطلقوا عليها اسم "فزعة أهل النخوة" لمساعدة النازحين من أبناء المحافظة في مخيمات إدلب وحلب، بعد الأمطار الغزيرة التي تسببت بنكبة جديدة لنزلاء المخيمات. يقول عضو المبادرة الدكتور أنس الفتيح لـ“عين المدينة"، إن الهدف من الحملة إيجاد مأوى أكثر استدامة من الخيام التي يسكن فيها النازحون، دون أن يعني ذلك توطينهم، لأن "مأوى النازحين هو عودتهم إلى منازلهم ومناطقهم" حسب تعبير الفتيح، الذي يبين أن المبادرة لا تخص أهل ديرالزور وحدهم لكنها تعطيهم الأولوية، مع الأخذ بعين الاعتبار الحالات التي تنطبق عليها معايير الإيواء للعوائل من جميع المحافظات، وهي أن تكون العائلة فقدت معيلها شهيداً أو مفقوداً أو معاقاً، ثم الانتقال إلى حالات أخرى بعد الانتهاء من هذه الشريحة. يخاطب اسم الحملة القيم العشائرية التي يتمسك بها أبناء محافظة ديرالزور، مستلهماً المثل والأخلاق التي يرفعها المجتمع المحلي الذي يعود أساساً إلى أصول عشائرية، في محاولة لدفع أبناء المحافظة الأفضل حالاً في المساهمة بالحملة على ما يبدو. وفي منشور تعريفي نشره أعضاء المبادرة على صفحاتهم في فيسبوك مع بدء الحملة، تحدثوا فيه عن الحل المتصوَّر لمعاناة قاطني مخيمات الشمال السوري مع نقص الموارد المتاحة ومواد التدفئة والبنى التحتية وتراجع الاهتمام الدولي، وفي ظل عدم مناسبة الخيمة لأن تكون بديلاً مناسباً عن الخيمة التي اهترأت مع الزمن وغرقت مؤخراً، وذلك بإنشاء "وحدات سكنية إسمنتية مؤلفة من غرف عدد 2 ومطبخ ومنتفعاتها" كما جاء في المنشور. ويشرح الفتيح في حديثه لـ“عين المدينة“، عن مجريات الحملة بأن التبرعات في البداية كانت من "الدوائر الضيقة" ومن أبناء ديرالزور حصراً، وقد استطاعت في 48 ساعة الأولى من إطلاقها جمع أكثر من 55 ألف دولار أمريكي، ومن ثم توسعت دائرة التبرعات بعد مرور ثلاثة أيام. وعن ترجمة الحملة على أرض الواقع، يبين الفتيح بأنها تطمح إلى العمل في إدلب وحلب، وتضع نصب أعينها مخيمات النازحين الأكثر تضرراً في المنطقتين، في محاولة لسد "جزء من احتياجاتهم التي تحتاج إلى جهود دول لسدها". تعتمد الحملة حتى الآن في عملها على التطوع بالكامل، حسب عضو المبادرة الدكتور فخر الجوري الذي يُجْمل الآلية التي تتم من خلالها الحملة ومسارها بالقول: "اعتمدنا على أصحاب مكاتب حوالات كمندوبين في غالبية دول النزوح والهجرة في أوروبا والخليج العربي، ومن خلال مجموعة على التلغرام متاحة للجميع نطابق المبالغ المتبرع بها مع مجموعها لدى مكاتب الحوالات". يستطيع الجميع الاطلاع على مبالغ التبرعات بالتفصيل، وقد تجاوزت المئة ألف دولار حتى يوم إعداد التقرير، وهي مستمرة حتى يوم 7 من شباط الجاري موعد توقفها. يقول الجوري إن عدد القائمين على الحملة 25 شخصاً، سيتقلص بعد توقف التبرعات ليحل محلهم فريق تقني قوامهم ماليون مهندسون وفنيون لديهم خبرة في العمل مع منظمات عملت على ذات المشروع، تبرعوا لتيسير أمور المبادرة وتجنيبها الوقوع في مطبات وأخطاء وقعت فيها مشاريع من ذات النوع. وعن موقع تنفيذ المبادرة، يقول الجوري: "ندرس البناء على قطعتي أرض في إدلب قريبة من الحدود ملكيتها عامة، لكننا سنلجأ إلى خيار الشراء إذا لم تكن مناسبة"، ويتابع "اختيار إدلب جعل الكثير يطالبون بتوجيه الأنظار إلى حلب، كون غالبية النازحين من ديرالزور فيها، لكن المشكلة أن المخيمات الأكثر تضرراً تقع في إدلب ما يجعلها أكثر أولية، دون أن يعني ذلك أن النازحين في حلب لا يمكنه الاستفادة منه، كما أن اختيار المكانين ما زال مطروحاً للنقاش، لكن ذلك مرتبط بحجم مبلغ التبرعات".

]]>
عالم سجن عدرا ونزلاؤه http://ayn-almadina.com/details/5045/5045/ar 5045 date2021-02-04 16:51:10 ayn-almadina يرمز "عدرا" لدى السوريين عبر تشبيهه بالفندق، إلى البرزخ الذي يفصل سجنين في عالمين متوازيين لكل منهما منطق خاص، أحدهما ينتمي إلى الفقد في السجون الأمنية والآخر إلى الوجود في الحياة السورية، رغم أن المصائر اللا معقولة في كل منهما تطبع الثاني ...
عالم سجن عدرا ونزلاؤه

عالم سجن عدرا ونزلاؤه

رادار المدينة

يرمز "عدرا" لدى السوريين عبر تشبيهه بالفندق، إلى البرزخ الذي يفصل سجنين في عالمين متوازيين لكل منهما منطق خاص، أحدهما ينتمي إلى الفقد في السجون الأمنية والآخر إلى الوجود في الحياة السورية، رغم أن المصائر اللا معقولة في كل منهما تطبع الثاني بطابعها. أما سجن عدرا الذي يشكل لحظة انتظار أو طقس عبور بين العالمين، بكونه "سجناً مدنياً" يتبع لوزارة الداخلية ويقرب السجين فيه من ذويه، فله منطق خاص كذلك، يعيش ضمن نطاقه السجين وسط اكتظاظ يحاول السجانون ضبطه بكل الطرق. في سجن دمشق المركزي المعروف بسجن عدرا، كان علي (أحد سجنائه السابقين) يستغرب "تصرفات" بعض النزلاء ويعتبرها "ضرباً من الجنون أو الانفصال عن الواقع"، حين يرى سجيناً يخوض شجاراً مع آخر بسبب "أغنية معروضة على شاشة التلفزيون في الغرفة"، وهو عراك قد يؤدي إلى العقوبة بالمنفردة. علي الذي قد قضى سبع سنوات في عدرا، كان قد تمكن من الحصول على وظيفة في أحد مرافق السجن التابعة لجمعية رعاية المساجين، مقابل تلقيه راتباً يبلغ ٥ آلاف ليرة شهرياً، لكن الهدف من ذلك لم يكن النقود، إنما "الابتعاد عن مشاكل السجناء".  يحوي سجن دمشق المركزي (عدرا) نحو ١٥ ألف شخص، بينهم ١٢٥٠٠ سجينٍ وموقوف من الرجال، و١١٠٠ في القسم المخصص للنساء. أما عدد عناصر الشرطة من ضباط وصف ضباط وأفراد من إدارة السجون وعمال وموظفي جمعية رعاية المساجين، فيبلغ ١٤٠٠ شخصٍ، ما يجعل من الممكن اعتبار السجن بذلك بلدة بحد ذاتها. ويضم السجن ١٣ جناحاً، بينهم جناح مخصص لـ"المعاقبين"، وآخر للمخدرات، وجناح للأحداث دون سن الـ١٥، وجناح للسلفيين (عددهم لا يتجاوز ٢٥ شخصاً)، كما يضم جناحاً صغيراً لـ"المخنثين". أما الغرف فتحوي كل واحدة على عدد يقارب الـ١٠٠ شخص، وصل إلى النصف تقريباً بعد مرسوم "العفو" الأخير الذي أصدره بشار الأسد في العام ٢٠٢٠، لكن الأمر لم يطل حتى عادت الغرف والأجنحة تأخذ طابع الازدحام من جديد. بقول علي: "لكل جناح مشرف من ضباط السجن عُيِّن من قبل مدير السجن، وعلى باب كل جناح مفرزة من عناصر الشرطة العاملين في السجن، وفي كل غرفة رئيس يسميه مشرف الجناح ويكون مسؤولاً أمامه عن كل ما يحدث في الغرفة"، والأهم من ذلك كله جواسيس الإدارة ومفرزة الأمن الموجودون بين السجناء لتقفي الأخبار الهامة أو "التصرفات غير العادية مثل اللواطة والسرقات.." أما محمد، وهو من نزلاء عدرا شبه الدائمين، فهو لا يكاد يخرج من السجن حتى يعود إليه بسبب امتهانه التزوير والاحتيال، فيعتبر أن السجين إذا امتلك الأموال يصير كـ"الملك" هناك، ويتلقى من خلال دفع الرشاوى لضباط السجن معاملة مميزة في الخروج من الجناح والتنقل في السجن دون تشديدات وتعقيدات الحصول على الموافقات. من جانبه يعتبر أكثم وهو سجين قديم في عدرا، كان قد احتجز بين العامين ٢٠٠٦ و٢٠١٠، ثم قضى ٨ سنوات هناك بعد الثورة، أن السجن لم يكن يشهد تشديداً بهذا القدر قبل استعصاء نفَّذه سجين من آل الأسد عام ٢٠٠٧، حين كان يُسمح للسجناء حيازة أجهزة الخليوي، وإدخال أطعمة ومشروبات من خارج السجن. كما أن اندلاع الثورة في سوريا زاد من تلك التشديدات، خاصة وأن عدد النزلاء اليوم من المحكومين والمتهمين بقضايا "إرهاب" يصل إلى ٧٠ في المائة من العدد الكلي للنزلاء.. دون أن يخلو الأمر من قلّة يحملون "جوالات على المعس" في السجن، وهو مصطلح يعني إخفاء أجهزة الخليوي دون علم أحد بوجودها. أحمد، وهو نزيل خرج حديثاً من عدرا، يقول إن طعام السجين قد تحسن نسبياً بين إدارتين متعاقبتين،
حيث تولى العميد عبدو يوسف كرم (من مسيحيي حمص) إدارة السجن عام ٢٠١٨، وهو بشهادة السجناء شخص "نزيه نسبياً"، فقد "ازدادت حصص الطعام التي توزع على المساجين من الصليب الأحمر أو الهلال الأحمر، وتحسن واقع الكهرباء من حيث مخصصات المازوت لمولدات الديزل التي تعمل في حال انقطاع التيار الكهربائي"، بحسب أحمد. يشرح رامي القادم من سجن صيدنايا، المراحل التي يمر بها المعتقلون المحولون من الفروع الأمنية أو من صيدنايا إلى عدرا بقوله، إن الموقوف "يتم عرضه فوراً على قسم الطبابة لإجراء فحوصات شاملة وتصاوير وتحاليل للتأكد من عدم وجود مشاكل صحية، وهؤلاء يتم حرق ملابسهم فوراً وإعطاؤهم ملابس مستعملة من السجناء لأن ملابسهم تكون مليئة بقمل الملابس، وأحياناً يتم عزلهم في غرف عزل خاصة لإصابتهم بالجرب أو السل إلى حين شفائهم“. كما يتم أخذ تعهد من الموقوف، بأن إدارة السجن "غير مسؤولة عن تدهور حالته الصحية أو وفاته، وقد يتم نقل بعض الموقوفين إلى مستشفى ابن النفيس أو مستشفى الشرطة".

]]>
نشأة وترعرع جيل ما بعد الإبادة (1) من (2) روايات حول المجازر في رواندا http://ayn-almadina.com/details/5047/5047/ar 5047 date2021-02-05 18:18:55 ayn-almadina سوزي لنفيلد  عن مجلة Dissent الفصلية- خريف 2018  ترجمة مأمون حلبي  هل يمكن للمرء أن يحبّ شخصاً مارس التعذيب -حتى، أو خصوصاً- إن كان من أقرب المقربين؟ الصحفي الفرنسي جان هازفيلد هو مؤرخنا الكبير للألم والحزن. في سلسلة لافتة من ا...
نشأة وترعرع جيل ما بعد الإبادة (1) من (2) روايات حول المجازر في رواندا

نشأة وترعرع جيل ما بعد الإبادة (1) من (2) روايات حول المجازر في رواندا

ترجمة

سوزي لنفيلد
 عن مجلة Dissent الفصلية- خريف 2018
 ترجمة مأمون حلبي  هل يمكن للمرء أن يحبّ شخصاً مارس التعذيب -حتى، أو خصوصاً- إن كان من أقرب المقربين؟ الصحفي الفرنسي جان هازفيلد هو مؤرخنا الكبير للألم والحزن. في سلسلة لافتة من الكتب، مكتوبة بالأصل باللغة الفرنسية ونُشِرت على مدار الخمس عشرة سنة الأخيرة، وثّق هازفيلد الإبادة الرواندية من خلال كلمات الناجين التوتسي والمرتكبين الهوتو –والآن من خلال كلمات أبنائهم. كتبه هي أساساً تأريخات شفهيّة– مع ذلك، مبنيّة بعناية، ومتداخلة مع مقاطع من نصوصه نفسه- تستكشف التجارب الذاتية المحَددة للروانديين وتطرح أسئلة أوسع ذات طابع أخلاقي وفلسفي وسياسي. عمل هازفيلد هو في وقت واحد غاضب ومتفهّم، نفّاذ ورقيق، كشّاف وحائر. بحكم كتابته للجريدة اليومية اليسارية الفرنسية "ليبراسيون" ومطبوعات أخرى، فقد جاب هازفيلد العالم، وغطى لبنان وإسرائيل والعراق وصعود حركة "التضامن" البولونية والحروب في يوغوسلافيا. أعماله عن رواندا محدودة النطاق، وتركّز على منطقة واحدة (منطقة نياماتا).  من كتاب إلى كتاب، يُعاود هازفيلد زيارة عدد كبير من نفس الأشخاص. في المجلد الأول "الحياة بلا رتوش: الناجون في رواندا يتكلّمون" الصادر عام 2000، يروي الضحايا تجاربهم المدمّرة ويحاولون تفهّمها، غير أنّ محاولة التفهّم هذه بالطبع عمليّة فاشلة، فالإبادة تشكّل حالة شرخ في مسار التاريخ –إن كان على المستوى الشخصي أو السياسي– وليس استمراراً له. وكما يطرح الأمر سيلفي أومو بيبي، الذي كان وقتذاك في الرابعة والثلاثين: "عندما أفكّر بالإبادة التي حدثت في بلدنا، في لحظة صفاء، أتأمّل بإمعان أين يمكن للمرء أن يُموضع الإبادة في الحياة، لكني لا أجد مكاناً لها. ببساطة، أعني أنّ الإبادة لا رابط لها يربطها بعالم البشر". الكتاب الثاني "موسم السواطير: القتلة في رواندا يتكلّمون (2003)" مرعب. مجموعة من مرتكبي الإبادة من نياماتا، الذين سبق وتمّت إبادتهم وسجنهم، يصفون جرائمهم بهدوء، دون أي انفعال: أول مرة قتلوا شخصاً ما، قتل الأطفال (الذين كان الجناة يتدربون عليهم أحياناً)، عمليات الاغتصاب والتعذيب والذبح. ما يتكشّف للقارئ للمرة الأولى –ما يطفو إلى السطح من هؤلاء المزارعين البسطاء الذين لا يعرفون اللف والدوران– هو حقيقة لا تُسِّر على الإطلاق: شهور القتل الثلاثة تلك كانت ذروة الذُرى في حياة أولئك الجناة، حياة ممتلئة بالانفعال والإثارة والروح الرفاقية. يمكن للإبادة، هكذا يبدو، أن تكون بهجة ومتعة. يوضّح هذا الأمر رجل يدعى إيلي: "على العموم، لم نكن نبالي... طالما كنا نعرف أنّ القتل كان مستمراً في كل مكان دون أن تعترض ذلك صعوبات غير محسوبة. كان الفقراء مُرتاحي البال وعلى سجيّتهم، والأغنياء يبدون مبتهجين، والمستقبل يعدنا بأيام قادمة طيبّة". وينتهي "موسم السواطير" بهذا الاعتراف الصادر عن ألفونس: "في نهاية الموسم في المستنقعات كنا محبطين لأننا قد فشلنا. فقدنا الهمّة وانهارت معنوياتنا جرّاء ما كنّا سنفقده... لكن في أعماقنا، لم نصل مرحلة الإشباع من أي شيء". ثالث مجلدات هازفيلد يحمل عنوان "استراتيجية الوعل: العيش في رواندا بعد عمليات الإبادة". صدر هذا المجلد عام 2007، وغالباً ما تكون قراءته مضنية. مصطلح "الإبادة" –شأنّ مصطلح "جرائم ضد الإنسانية"– يمكن له أن يكون غير مشخصن لدرجة الميوعة. "استراتيجية الوعل" يشرح الوقائع البشعة الكامنة خلف هذه الكلمات، فالناجون يسردون بالتفصيل ما كابدوه، وكيف بقوا أحياءً في المستنقعات التي فرّوا إليها: كانت أجسادهم مغطاة بالقمل والجَرَب، وكانوا يزحفون وسط الطين بأسمال ممزقة، رائحتهم نتنة، ويحاصرهم الجوع. كانوا يُطارَدون ويُضربون ويُغتصَبون. شبّهوا أنفسهم بالخنازير ووصفوا أنفسهم بالمقززين. تتذكر امرأة تُدعى ميدياتريس: "كنا عدماً يرتدي ثياباً رثّة، وكنا دريئة تمشي بينما يجري التدرّب عليها. كنا في الغابة نسلك سلوك المجانين... لقد كان وجوداً محفوفاً بالمخاطر، وتقريباً يشبه الوجود الحيواني". حجم التصدعات النفسية هائل، إذ يصف الناجون أنفسهم أنهم كانوا مصعوقين ويشعرون بالهجران والمرارة. كانوا محطمين، وثقتهم بالعالم قد انهارت، (كان هذا الشعور بالخذلان الموضوعة الرئيسية للكاتب جان أميري، الذي عذبّه الجستابو واستعبده في معسكر أوشفيتز، ويكرّر الروانديون كلماته بشكل غريب ومفزع). وتبدو كلمات مثل "المصالحة" و"الصفح" كأنها نُكاتٌ بذيئة، وكذلك الأمر بالنسبة لكلمة "المستقبل". توضّح كلودين هذا الأمر "أنا أفريقية وأخاف الأفارقة. السعادة بالنسبة لأفريقي تعني الأطفال بالدرجة الأولى... في أفريقيا الأطفال هم الأمل الأخير، لكن الأمل بماذا، هذا ما لم نعد نعرفه". هنا تأتي بنا هذه الموضوعة إلى كتاب (الرجل المدعو أبي Blood Papa). شخوص هازفيلد، الذين يُشير إليهم بأسمائهم الأولى، يظهرون دائماً كأفراد مختلفين عن بعضهم، وهذا الاختلاف ينطبق أيضاً على الأطفال –وهم في الواقع، في أواخر سن المراهقة أو بدايات سن النضج– الذين يظهرون في " Blood Papa"، فكل طفل منهم لديه طريقته الخاصة في مقاربة هذا الإرث الكالح لبلدهم. بالطبع توجد مشتركات بينهم: الجميع على دراية بالإبادة التي حصلت من خلال ما يسمعونه في المدرسة، وفي شهر نيسان من كل عام يشارك البلد بكامله في "أسبوع الحِداد".  بعض الذين تمت مقابلتهم كانوا صغاراً أثناء الإبادة، وبعضهم الآخر وُلِد عقبها مباشرة، وعدد كبير منهم لديهم ذكريات ضبابية عنها. مع ذلك هناك موضوعات توحّد أفراد كل جماعة، المتحدّرين من الناجين التوتسي والمرتكبين الهوتو، فتفاصيل ما حدث وعمليات فهمها هي مسألة مشتركة ضمن كل جماعة عرقية، وليس بين الجماعتين. كل اليافعين الذين يظهرون في "Blood Papa" متحدرون من أولئك الذين قابلهم هازفيلد في كتبه السابقة. إنه أمر جذّاب أن يتم تعقّب الروابط الواصلة بين الأجيال، وربما يبدو من غير المفاجئ أنّ أطفال الناجين يريدون أن يعرفوا أقصى ما يمكن عمّا حدث، في حين أنه بالنسبة إلى أطفال المرتكبين، فكلما كانت المعرفة أقل كان الأمر أفضل قطعاً.  آباء وأمهات الأطفال التوتسي يكشفون عن التجارب التي مرّوا بها بشكل كامل، على الأقل عندما يبلغ أبناؤهم سنّاً معينة، وبعدها يبحث أولئك الأطفال عن معرفة المزيد. تتذكّر آنجي (19 عاماً ابنة لأحد الناجين): "كنا نتكلّم عن الإبادة في عائلتنا. عندما كان عمري 13 عاماً، كان لديّ الشجاعة لطرح أسئلة استقصائية بدرجة أكبر... كنت أتحرّق دائماً لمعرفة مزيد من التفاصيل عن أقداري، لأني أنا نفسي نجوت من الساطور عندما كنت رضيعة. آباؤنا وأمهاتنا يحكون تجاربهم دون تورية... يتكلّم أبي بكلمات مباشرة عن عُريّهم الفاضح، عن الأطفال الذين تخلّى عنهم أهلهم أثناء فِرارهم، عن السيدات اللواتي اُغتصبن أمام عيون الناس... ما من نهاية لأسئلتي". بالنسبة لـ جان، فالعكس صحيح. "كلا، لا سؤال البتة عن المذابح"، يقول ذلك في إشارة إلى والده فولجانس بوناني، الذي حُكِم عليه بالسجن مدى الحياة لجريمة قتل فظيعة بعينها. "ولا سؤال إطلاقاً لأمي أيضاً". ليس هناك معادل لإنكار الهولوكوست بين أطفال الهوتو، إنما هناك مجرّد نوع من التجاهل المتعمّد، مع أنّ ذلك يمكن أن يستثير الآلام والكروب، خصوصاً في ثقافة يلعب فيها احترام الوالدين أهمية بالغة. ولعملية ضبط العواطف وكبحها ثمن يتخذ شكل شكوك مقيمة ومقلقة. "هل عليّ أن أصرّ على أن يعطيني التفاصيل؟"، يسأل فابريس بخصوص والده جوزيف بيترو، الذي كان الرجل الوحيد في "موسم السواطير" الذي تلقّى حكماً بالإعدام (لكن لاحقاً خُفِّف إلى حكم بالسجن المؤبد)، "كلا، فمن المحتمل أن يُثير اشمئزازي الإصغاء إلى تفاصيل ما حدث. إنّ لمس بعض ضروب الشر قد تحرق المرء... هل بوسع المرء أن يلوم والده لدرجة هجرانه إلى الأبد؟ عندما يقف الطفل أمام أبيه، يشعر بوجل شديد يقطع عليه طريق فصل الصفات الحميدة عن الصفات الشريرة". يعبّر أطفال الناجين عموماً عن الافتخار بآبائهم وأمهاتهم عوضاً عن الخجل. الاستثناء في ذلك ربما يتمثّل في أولئك الذين "وُلِدوا من بذرة جهنميّة"، أي تمّ الحمل بهم عن طريق اغتصاب الأم أثناء عمليات الإبادة. (التعبير " Blood Papa" له معنى مزدوج: فهو قد يكون إشارة إيحائية إلى الوالد البيولوجي للمرء، وقد يكون إشارة إلى نسب المرء المُخجل الذي نتج عن الجريمة والاغتصاب.)  وُلِدت نادين، 17 عاماً، في جمهورية الكونغو الديمقراطية، وهناك كان قد سبق لأحد مرتكبي الإبادة الهوتو أن اختطف والدتها واستعبدها. (أمها تُدعى كلودين). كيف يمكن لها أن تستوعب اطلاعها على هذه الواقعة الشاذة، التي سمعت بها لأول مرة من إحدى جاراتها الحقودات؟ "أشعر أني عالقة بإحساس يشبه القرف"، تعترف نادين، مع أنها رُبِّيت على يد رجل محب تعتبره والدها الحقيقي. مع ذلك لا يمكن لولادة غير طبيعية من هذا النوع –مزاوجة غريبة، بشكل منفّر، بين الحميميّة والهمجيّة– أن تتم معالجتها بسهولة. "لقد تقصيّت شرور الإبادة حتى العمق"، تؤكد نادين. "أحياناً أفكّر بالأب الذي وهبني الحياة من خلال التسبب بمعاناة فظيعة للغاية لأمي. مع ذلك أودّ أن أقابله... هل تسامح ابنةٌ الرجل الذي أعطاها الحياة؟ هل سأحاول أن أتفهّمه؟ ربما تخذلني الكلمات في حضرته، وتراني أرتعش لا أكثر". بالنسبة إلى الكثير من اليهود (بالطبع ليس لجميعهم)، أدّت الإبادة النازية بحقهم إلى التشكيك بـ، إن لم يكن الرفض الصريح لِـ، فكرة الله. كيف يمكن للمرء أن يوفّق بين ربّ الإسرائيليين –أو أي إله آخر– وبين الإبادة النازية في معسكر الاعتقال في تريبلينكا البولونية؟ لكن في رواندا، وغالبية سكانها الساحقة مسيحيون –مع ذلك شجّع بعض القساوسة والراهبات عمليات الإبادة، وارتُكبتْ بعض من أفظع المجازر في كنائس كاثوليكية– يبدو أن العكس قد حصل. فهناك يغمر إيمان عميق حياة التوتسي والهوتو الذين تحدّث معهم هازفيلد. لكن مع أنّ الله يمكن أن يكون موجوداً، إلا أنه لا يُجيب على الأسئلة الأكثر إرباكاً وحيرة، أو حتى يُقدّم بلسماً شافياً بما يكفي. تقول إيماكوليه (16 عاماً ابنة أحد الناجين): "إيماني عميق. دمار شعب هو من مشيئة الله. أمّا لماذا يقبل إله رؤوف السحق الكلي تقريباً للسكان التوتسي من قِبل جيرانهم؟ فهذا سؤال وجيه، ولا أعرف جواباً عليه". يطرح أبناء السجناء المُدانين أسئلة من هذا النوع أيضاً. إدلفونس (19 عاماً وهو ابن آخر لفولجانس بوناني) يعتبر نفسه "كاثوليكياً صالحياً"، لكنه يُضيف: "مع ذلك، ما يزال المرء يتساءل كيف أُمكِن لإله طيب وكليّ القدرة أن يُغلق عينيه عن مذابح من هذا النوع". شخوص هازفيلد اليافعين يحاولون بطريقة مؤثرة أن يجدوا حلاً للمعضلة القائمة منذ مئات السنين، معضلة تطرحها البربرية البشرية أمام الإيمان بالخالق، لكن لا أحد يستخدم الدين كشمّاعة للتبرير. تقول فابيولا (19 عاماً) "كان الله على علم بما يحدث على التلال، لكنه زوّد البشر بالذكاء الكافي ليختاروا بين الخير والشر". أما لماذا فشل هذا الذكاء، فهذا واحد من الأسئلة الكثيرة التي لا تُبارح ذهن أطفال الإبادة. ويمثّل كتاب " Blood Papa"، إضافة إلى أمور أخرى، مُعاينة وتحليل لموضوعة عدم تناقض العدالة والقدرة الإلهية مع وجود الشر في العالم.

]]>
نشأة وترعرع جيل ما بعد الإبادة (2) من (2) روايات حول المجازر في رواندا http://ayn-almadina.com/details/5048/5048/ar 5048 date2021-02-08 17:29:54 ayn-almadina سوزي لنفيلد  عن مجلة Dissent الفصلية- خريف 2018  ترجمة مأمون حلبي  هل يمكن للمرء أن يحبّ شخصاً مارس التعذيب -حتى، أو خصوصاً- إن كان من أقرب المقربين؟ الصحفي الفرنسي جان هازفيلد هو مؤرخنا الكبير للألم والحزن. في سلسلة لافتة من ا...
نشأة وترعرع جيل ما بعد الإبادة (2) من (2) روايات حول المجازر في رواندا

نشأة وترعرع جيل ما بعد الإبادة (2) من (2) روايات حول المجازر في رواندا

ترجمة

سوزي لنفيلد
 عن مجلة Dissent الفصلية- خريف 2018
 ترجمة مأمون حلبي  هل يمكن للمرء أن يحبّ شخصاً مارس التعذيب -حتى، أو خصوصاً- إن كان من أقرب المقربين؟ الصحفي الفرنسي جان هازفيلد هو مؤرخنا الكبير للألم والحزن. في سلسلة لافتة من الكتب، مكتوبة بالأصل باللغة الفرنسية ونُشِرت على مدار الخمس عشرة سنة الأخيرة، وثّق هازفيلد الإبادة الرواندية من خلال كلمات الناجين التوتسي والمرتكبين الهوتو –والآن من خلال كلمات أبنائهم.

هل يمكن بناء رواندا لا عرقية؟ إنّ هذا الهدف، إلى جانب عملية المصالحة، هو السياسة الرسمية للحكومة الرواندية الحالية (الكلمات "هوتو" و"توتسي" يُحظر استخدامها)، ويبدو أن كل اليافعين في كتاب هازفيلد يقرّون بضرورة هذه السياسة وقيمتها، فجميعهم يبدون متفقين بهذا الخصوص، على الأقل ظاهرياً، لكن مشاعر التضامن العرقي متجذّرة حتى ولو كانت مقموعة رسمياً.
 
إحدى المجموعات المكوّنة من فتيات من التوتسي، بنات لناجين من الإبادة، تجتمع سراً في المدرسة. بالنسبة إلى التوتسي يُشكّل ذلك، جزئياً، طريقة يحترمون من خلالها معاناة أسلافهم ويحافظون على اليقظة التي فرضتها هذه المعاناة. تشرح نادين (ابنة أب مرتكب وأم ضحيّة مغتصبة) هذا الأمر: "يخفق قلبي بالتعاطف مع التوتسي. فأنا واحدة من الناس الذين تنهشهم ذكرياتهم".
 
هذا موقف وجداني يعترف به اليهود والكرد والأرمن وشعوب أخرى مضطهدة، لكن شأن كل كتب التاريخ التي تُبنى على المرويات الشفهيّة، كتاب "Blood Papa" ذاتيٌّ جوهرياً، وهذا يعني أنّه لا يوجد فيه بالمطلق أي انتقاد أو تحليل لجرائم الحكومة الرواندية بحق الهوتو في جمهورية الكونغو الديمقراطية، على سبيل المثال، أو لسياسات الرئيس كاغامي القمعيّة.

رويليليزا اينوسنت مدرّس لمادة التاريخ في إحدى المدارس الثانوية، ومن الناجين التوتسي، ووالد إيماكوليه وإنجي اللتين سبق ذكرهما. يقول ملاحظاً "أول سؤال يطرحه أي طالب جديد يكشف عن عِرقه... مشاعر القلق لديهم مختلفة كلياً. الطلاب ليسوا قلقين بنفس الطريقة، فهم لا يستخدمون نفس الكلمات". وأبناء الناجين، حسب قوله، قد تغلّبوا على الشعور بالذنب والخجل من آبائهم، عوضاً عن ذلك "يُخفون رغبة جامحة بالانتقام"، إلى جانب الكراهية والغضب. ويبدو أنّ إيماكوليه تُظهر صواب كلام والدها بقولها "إنني أحتقر الناس الذين قد تسببوا بكل هذا الألم. عندما كنت طفلة كنت آمل أن أراهم مصفوفين في رتل وأن يُردوَنَ قتلى بالرصاص... لكن الزمن ألهمني أفكاراً أكثر تعقّلاً، فالتأنيب على تلك التصورات كان له تأثيره. لا يمكن للأطفال أن ينتقموا لآبائهم إن لم يكن الآباء أنفسهم يفكرون بالانتقام".
 
كذلك أيضاً الشباب الهوتو يخفون مخاوفهم وامتعاضهم، مع أنّ اينوسنت يقول إنهم "يعترفون أنّ جرائم آبائهم قد عقّدت حيواتهم". 

بين الحين والآخر، يجري رفض مشاعر التضامن العرقي. تقول فابيولا (19عاماً) بإصرار: "أعتبر نفسي رواندية، وهذا كافٍ بالنسبة إلي". غير أنها بخلاف آخرين جرت مقابلتهم في هذا الكتاب، ويعتزّون ببلدهم وقارتهم، تأسرها الرغبة بمغادرة رواندا ومتاعبها وربما عار عائلتها: "أريد العيش في إيطاليا. لقد سمعت أنهم هناك يعيشون بسلام وهدوء، حيث لا انتماءات عرقية ولا سواطير... يسِمُ جو من السعادة كل شيء إيطالي بميسمه، إنه أمر يبعث على السرور والبهجة".

الزواج المختلط بين الهوتو والتوتسي نادر جداً، وكل الشخوص يتفقون أنّ الهوتو والتوتسي الشباب أبداً لا يُناقشون الإبادة التي حصلت مع بعضهم بعضاً. فبالرغم من التاريخ الذي يتعلّمه الطلاب في المدرسة، لا توجد رواية مشتركة للأحداث التي مرّت. تقول إنجي إنّ ما يوحّد المجموعتين هو الامتعاض وغياب الثقة، وليس البحث عن الحقيقة. مع ذلك -وهو أمر له مغزاه- تصر إنجي على أنها لا تخشى المستقبل، وهذا ما يُعتبر إنجازاً بالغ الأهمية في بلد عاش فيه التوتسي لأجيال تحت وطأة الخوف من تكرار دورات العنف الجمعي. "لم تعُد سواطير المزارعين تُخيف أحداً لأنّ الناس استفادوا بكل امتنان من سياسة المصالحة الوطنية"، تقول أنجي. 

لكنّ ساندرا، وهي أيضاً ابنة أحد الناجين، تعبّر عن مشاعر أكثر تضارباً: "لم يعد بوسع أولئك الذين تلطّخت أيديهم بالدماء أن يتباهوا بقوتهم بنفس الطريقة... يرمقنا السجناء السابقون بنظرات كريهة، كما لو أنهم ما زالوا يلومون الناجين على عدم كونهم موتى عوضاً عن ملامة أنفسهم على ما كانوا قد اقترفوه. لا يستولي عليّ الذعر من رؤية السواطير، فليس ثمة ما هو خطِرٌ تخبئه لنا الأقدار. ومع ذلك، أخاف من تلك النظرات الكريهة بطريقة لا أستطيع شرحها... هل بإمكانهم أن يتخيلوا ما كابدناه؟ لا أعتقد ذلك". 

المستقبل فقط هو الكفيل بإظهار الطريقة التي من خلالها سيتم التوفيق بين المصالحة الرسمية والمشاعر الذاتية وتركيبهما في كلٍّ واحد، ليس فقط بين أفراد هذا الجيل، وإنما بين أبنائهم أيضاً. على هذه المسألة يتوقف مستقبل رواندا.

عام 2006 سافر جوناثان تورغوفنيك، وهو مصور فوتوغرافي إسرائيلي انتقل للعيش في جنوب أفريقيا، إلى رواندا ليُجري مقابلات مع نساء سبق أن اغتُصِبن أثناء عمليات الإبادة. صَوّر النساء المُغتصبات مع أطفالهنّ الذين حملنَ بهم كثمرة لعمليات الاغتصاب. كانت مجموعة الصور هذه من أجل سلسلة سُمّيت "عواقب مقصودة"، وقد شاهدتها في معرض في نيويورك، وبرأيي فإن الصور كانت جميلة بشكل مؤثر للغاية، وإن بطريقة صادمة: كانت النسوة توحينَ بالأنفة والإحساس بالكرامة، وكان للأطفال تحديقات رزينة، عفوية وصادقة، وخلفيات الصور جميلة وتضجّ بتشكيلة من الألوان الزاهية، مع ذلك كان حزن عميق يغمر هذه الصور ويعبّر عن مدى الإنهاك الذي حلّ بأصحابها.

رافق الصور شهادات من النساء، اللواتي كثيرات منهنّ كنّ يتكلمنّ عن مِحَنهنّ للمرة الأولى. بعد أن قرأت بعض هذه الروايات، هربت من المعرض، مع ذلك أجبرت نفسي على العودة من أجل زيارة ثانية. كانت حكايات تلك النسوة من بين أكثر الشهادات التي قرأتها رعباً وألماً حتى الآن.

 كما هو حال كتب هازفيلد، تجعل هذه الشهادات المرء يواجه هذا النوع من السادية التي تُخلُّ بالعقل، والتي سمّاها [الكاتب الإيطالي الناجي من الهولوكوست] بريمو ليفي في آخر كتاب ألفه قبل أن ينتحر "العنف العبثي الذي لا يبتغي غاية". 

عدد كبير من النسوة الروانديات، اللواتي كنّ غالباً مراهقات صغيرات في ذلك الوقت، جرى اغتصابهنّ لأسابيع، ومُرّرنَ وهنّ ينزفنَ ويضربنَ ضرباً مُبرّحاً من رجل لآخر. بعض النسوة عانين من غرز الرجال لأظافرهم في أجسادهنّ، أو من إدخال أشياء حادة في أعضائهنّ التناسلية. بعضهنّ أجبرن أن يشهدن قتل أخريات، أو أن يشربن دم عائلاتهنّ. سأوفر عليكم تفاصيل أخرى عن آلام تلك النساء، لكن لن أوفر عليكم الأسئلة التي تُثيرها تلك الشهادات، ويُثيرها بريمو ليفي.

يُلاحظ ليفي بحق أن غياب المعقولية ليس أمراً ملازماً للحرب والعنف. "هل يوجد شيء من قبيل العنف النافع؟ لسوء الحظ، نعم". وهو يحاجج أنّ الحروب "مقيتة... لكن لا يمكن اعتبارها عبثيّة: الحروب ترمي إلى غاية، بالرغم من أنّ هذه الغاية قد تكون شريرة أو شاذة". في حين أنّ العنف العبثي لا يبتغي قيمة استعمالية، عسكرية كانت أم سياسية: إنه لغو وحشي. العنف العبثي عالم مغلق، "غاية في ذاته، مقصده الوحيد إيقاع الألم". ومع أنّ العنف العبثي يتخذ هذا الاسم، إلا أنه شكل من أشكال التعذيب بطريقة لا يمكن إنكارها.

يتساءل ليفي، لماذا أُجبِر قاطنو مأوى العجَّز والمسنين اليهودي في مدينة البندقية على أن يكابدوا الرحلات المؤلمة في عربات القطار المخصصة للماشية في طريقهم لإحدى معسكرات الموت البولونية عوضاً عن أن يُقتلوا بكل بساطة في أسرّتهم؟ لماذا كان نزلاء المعسكرات يخضعون للتعري القسري، والوشم بالحديد المحمّى، وما يُسمّى بالعمل الذي لا يهدف لأي مردود قبل موتهم المحتّم؟ ما الغاية من محاولة جعل الذين تمت إدانتهم يعانون من الإذلال بأقصى درجة ممكنة، ويموتون بأكبر درجة ممكنة من الألم؟ ويُلاحظ ليفي أنه في ظل سلطة "الرايخ الثالث" (الفترة التي كان فيها النازيون في السلطة في ألمانيا) "أفضل خيار... هو ذاك الخيار الذي يستَجّر أقصى قدرٍ من الألم... أقصى قدر من المعاناة البدنيّة والأخلاقية. "العدو" يجب ألا يموت فقط، بل يجب أن يموت وهو يكابد العذاب البدني والنفسي". 

ينطبق هذا الأمر على أحداث رواندا. وهذه النوعية المحيّرة لهذا العنف، التي تتموضع -كما تقول سيلفي- خارج سياق كل ما هو بشري، برأيي هي ما يُخيّم بشبحه على أذهان أطفال الناجين والمرتكبين على حد سواء، وكما قالت كلودين لهازفيلد "أن تخذلك الحياة... من يستطيع أن يتحمّل ذلك؟".

في كتاب " Blood Papa" يتجسّد العنف العبثي بأفعال فولجانس بوناني المذكور سابقاً الذي طرح حجّة شاذة تُثير العجب في كتاب "موسم السواطير"، وترى هذه الحجة أن هول جرائمه بالذات هو ما يُشكّل ضرباً من الحصانة في وجه تجريمه "ما فعلناه يتجاوز تصورات البشر، لذا من الصعب جداً إصدار حكم علينا... بناء على ذلك أعتقد أنّ علينا أن نكون مزارعين كما كنا من قبل، لكن هذه المرة مزارعين بأفكار صالحة". 

شأن كثيرين من الذين شاركوا في عمليات القتل، استفاد فولجانس من عفو عام سنة 2003، لكن بعد سبع سنوات من ذلك تغيّر حظه فجأة: محاكمة محليّة في إحدى القرى أعادته إلى السجن مدى الحياة. ماذا كانت جريمته؟ حسب وصف الشقيق الشاب للضحيّة، انتزع فولجانس أحشاء إرنستين كانيزا بعد أن شق جسمها فاتحاً إياه "من أعضائها التناسلية وصولاً إلى ذقنها"، وكانت إرنستين حاملاً آنذاك. جنينها "بُعثِر إلى نتف صغيرة بجوارها". وأخت إرنستين "أُخِذت بعيداً عن المكان من قِبل جمهرة القتلة... انتُزِعت ملابسها حد العري التام، وقطّعت بالسواطير، يُرافق ذلك صرخات الابتهاج والتعليقات البذيئة الصاخبة لحشد كبير". ملحوظة هامة: كان فولجانس وإرنستين جارين حميمين.
زوجة فولجانس وأولاده، شأن أقرباء كثيرين من القتلة النازيين، يفعلون ما بوسعهم لإنكار فظاعة وعبثيّة هذه الجريمة. تسأل الزوجة جاكلين "هل أعتقد أنّ فولجانس قادر بطبعه على الجريمة الفظيعة المرتكبة بحق إرنستين؟ الزوجة في داخلي تجيب بالنفي... لو كان قد صار جزاراً مثل الآخرين لكنت قد لاحظت ذلك في تلك الليلة في غرفة نومنا". 

لدى أولاده أسئلة أيضاً؛ يسأل جاك "هل أعرف إن كانت عقوبة والدي منصفة؟ ليس لديّ تفاصيل كافية سوى ما يقوله الناس". لكنه يعترف: "أحلامي تملؤني بالذعر في الليل. رؤىً فظيعة تمر أمام ناظري".
أيمكن لأحدنا أن يُحبّ شخصاً مارس التعذيب –حتى، أو بالأخص- إن كان القريب الأكثر حميميّة؟ أيمكن لأحدنا أن يغسل دمه من دم أبيه؟ هذا أحد الأسئلة الفظيعة، وعلى الأرجح العصيّة على الإجابة، التي أورثها الهوتو الأكبر سناً لأبنائهم وبناتهم السيئِ الحظ. ويبدو تعليق جان هابيمانا، ابن سجين سابق من الهوتو، غير قابل للدحض: "تعلّمنا الإبادة دروساً يستطيع الشخص الشاب أن يستغني عنها بكل سرور".

يبقى الماضي مسألة مفتوحة بالنسبة إلى أولئك الروانديين الشباب، وهذا ما يُعتبر أحد الأشياء الأكثر جدارة بالإعجاب بهم، لقد تجنّبوا ما سمّاه [الفيلسوف والسوسيولوجي] ثيودور أدورنو "تسيّد/التمكّن من" الماضي: أي الاعتقاد المتعجرف أنّ أحداث التاريخ الكارثية يمكن -وبشكل كليّ- أن تُفهم وتُفسّر ويُكشف عن منطقها وتُعالج، ويتم التفكير فيها ضمن السياقات التي أحاطت بها (بلغة وقتنا الحاضر تقديم صياغة نظرية تستوعبها) وبعد ذلك، يجري طيّها بأناقة ووضعها على الرف المناسب لها. 

الشباب الروانديون الذين تحدّث إليهم هازفيلد أقرّوا زيف هذه المقاربة ببراعة تفوق بكثير براعة معاصري أدورنو الذين كانوا أكبر سناً وأفضل تعليماً منهم. وكما يوضّح جان هابيمانا، شاب من الهوتو، "في وقتنا الحاضر لا نتطلّع إلى النسيان، لكني لا أعرف عمّا نبحث. تأثير الماضي لن يتلاشى. قتل المرء لجيرانه كالحيوانات خطبٌ جلل... إنه تاريخ غير طبيعي". 

بالنسبة إلى ورثة الإبادة، ليس الماضي بلداً أجنبياً، بل إنه بلدهم هم. يمكن للإبادة والفظاعات التي تستجرها أن تُثير حيرة حتى الكتّاب الأكثر حنكة من حيث التحليل والأكثر اطلاعاً على التاريخ. هذا لا يعني أنّ عليهم أو علينا نحن أن ننفض أيدينا من عملية الفهم بيأس، أو نلتجئ إلى أفكار غيبية تتعلق بالقضاء والقدر، والمصائر المقسومة للشعوب، أو تتعلق بالشر المتأصّل داخل الإنسان، على العكس من ذلك: فأن نفهم لهوَ أمر أساسي، لكن من ناحية أخرى عمل شاق، ويعتريه النقص على الدوام، بل قد يكون عملاً سيزيفياً في المآل الأخير، نعاود العمل عليه من جديد بعد كل إخفاق، وهذا يعني أنه لمن الحكمة والتعقّل أن نقارب الأحداث التاريخية التي نصنعها بإحساس عميق من التواضع يشبه الإحساس الذي يَسِمُ عمل هازفيلد.. قتل المرء لجيرانه كالحيوانات خطبٌ جلل.

]]>
نساء مُسنّات في الشمال السوري تحت وطأة الفقد والنزوح والإهمال http://ayn-almadina.com/details/5049/5049/ar 5049 date2021-02-09 12:54:20 ayn-almadina المسنَّات في إدلب من الفئات الأكثر ضعفاً وتأثراً بالحرب، تكبَّدن مشاعر فقد الأبناء أو الخوف عليهم، واجتمعت عليهن آلام الأمراض والعوز وقهر النزوح والتشريد، لكنهن لم تنلن من الحنان الذي تفيض به قلوبهن التي تحمل عذابات الأبناء وهمومهم، وسط ظروف صعبة لا ...
نساء مُسنّات في الشمال السوري تحت وطأة الفقد والنزوح والإهمال

نساء مُسنّات في الشمال السوري تحت وطأة الفقد والنزوح والإهمال

رادار المدينة

المسنَّات في إدلب من الفئات الأكثر ضعفاً وتأثراً بالحرب، تكبَّدن مشاعر فقد الأبناء أو الخوف عليهم، واجتمعت عليهن آلام الأمراض والعوز وقهر النزوح والتشريد، لكنهن لم تنلن من الحنان الذي تفيض به قلوبهن التي تحمل عذابات الأبناء وهمومهم، وسط ظروف صعبة لا يلتفت فيها أحد إليهن للمساعدة أو للمساندة بأوجاعهن، ثم يبقى الأمل بالعودة إلى منازلهن أكبر الدوافع لاستمرار الحياة. بصوت تخنقه العبرات، وتسليم بقضاء الله وقدره، تتذكر أم حسن أولادها الذين فقدتهم في الحرب، واحداً تلو الآخر، ليكون مصيرها الوحدة مع قلب أم يدميه الفراق، وجسد يفتك به المرض. وبهذه الكلمات تلخص المرأة الستّينية قصة فقدها: "اعتقل نظام الأسد ولدي الأكبر، بينما فقدتُ الأوسط والأصغر في غارة حربية على سوق المدينة، حيث كانا يعملان داخل مطعم استهدفه القصف بشكل مباشر.. تأملت أن يخرج المعتقل ليواسي وحدتي، وبعد سنوات من الانتظار، علمت من خلال صورة رأيتها أنه فارق الحياة تحت التعذيب“. أم حسن النازحة من معرة النعمان، أم لأربعة أبناء فقدت ثلاثة منهم في الحرب، تقبع في خيمة لا ترد عنها البرد والعواصف بمخيم عشوائي في بلدة كللي شمال إدلب، وتعتني بأحفادها الخمسة بعد وفاة آبائهم وتخلي أمهاتهم عنهم، وهؤلاء الصغار هم وحدهم من تشم فيهم رائحة أبنائها الذين فرقهم عنها الموت.. "بعد وفاتي ماذا سيكون مصيرهم!". ففي ظل عدم وجود المعيل، تنفق على نفسها وأحفادها من  المساعدات الإغاثية التي توَزعها المنظمات الإنسانية، مع حصولها على مبالغ مالية من ابنتها المقيمة في تركيا بين الحين والآخر. أم حسن واحدة من كبار السن الذين يعايشون ألم الفقد والوحدة والأمراض في مخيمات النزوح، وقلة الدعم الإنساني بعد أن اقتلعوا من بيوتهم، وفرضت عليهم ظروف الحرب حياة التشريد مع آلامهم وأمراضهم وذكرياتهم، وما ينتابهم من قلق من احتمال الإصابة بوباء كورونا الذي يتربص بهم ويهدد حياتهم. نقص الخدمات الصحية ﻭﻭﺳﻂ ﺍﻟﻤﺼﺎﻋﺐ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﻮﺍﺟﻬﻬﺎ ﺍﻟﻤﺴﻨﻮﻥ ﻋﻠﻰ ﺍﻷﺻﻌﺪﺓ ﺍﻟﻨﻔﺴﻴﺔ ﻭﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ، ﻓﺈﻧﻬﻢ ﻳﺤﺘﺎﺟﻮﻥ ﺇﻟﻰ ﺭﻋﺎﻳﺔ صحية ﻣﻜﺜﻔﺔ قلما يحصلون عليها، إذ ازدادت معاناة المسنات النازحات في ظل جائحة كورونا، ووقوعهن ضمن الفئات الأكثر تأثراً بالوباء، في ظل صعوبة العزل الاجتماعي، وبعد المراكز الصحية، وانعدام الإجراءات الاحترازية. وليدة العبسي (60 عاماً) نازحة من مدينة سراقب إلى مخيم في بلدة أطمة الحدودية مع تركيا، تعاني من أمراض السكري والضغط، وتخشى من الإصابة بفيروس كورونا الذي وصل إلى المخيم الذي تقطن فيه: "بخاف آخرتي تكون بالكورونا، فأنا مريضة سكر وضغط، وجسمي ما عاد يتحمل أمراض". وتبين العبسي أنها تعجز في كثير من الأوقات عن شراء الأدوية بسبب الغلاء الذي لا يتناسب مع أوضاعهم المعيشية المتردية، والتي تسوء يوماً بعد يوم، وسط افتقار المخيم الذي تعيش فيه إلى أي نقطة طبية لمراقبة حالتها الصحية أو الحصول على الدواء، لذلك تضطر لقطع مسافة كبيرة للوصول إلى مركز الرعاية الصحية في البلدة.
الكثير مثل العبسي من كبار السن يعانون من الأمراض المزمنة وصعوبة الحصول على الأدوية جراء غلاء الأسعار وانقطاع بعض الأصناف الدوائية، تزامناً مع الفقر وعدم القدرة على العمل أو امتلاك مصدر دخل ثابت. بينما يطل شبح كورونا الذي وصلت حالات الإصابة به إلى 21022 في شمال غربي سوريا حتى تاريخ 4 من شهر شباط الحالي، حسب إحصائية وحدة تنسيق الدعم، منها 400 حالة وفاة بالعموم، و97 حالة ضمن المخيمات خلال شهر كانون الثاني فقط. الآثار النفسية تسببت الحرب والعيش في مناطق القصف والمعارك بأزمات نفسية للمسنات، ناجمة عن الخوف المتواصل، والبعد عن منازلهن التي تشكل حصيدة تعبهن في الحياة، وسط عجز الأبناء عن توفير السكن الجديد المناسب، فيما آثرت بعض المسنات البقاء في منازلهن رغم القصف وسوء الأوضاع الأمنية في المنطقة. الخمسينية عائدة السويد نزحت مع أبنائها السبعة من مدينة كفرنبل إلى مخيم في بلدة كللي. ساءت حالتها النفسية بعد النزوح، ووقعت فريسة المرض بعد أن عايشت الفرق الشاسع بين حياته السابقة والحالية، صارت تفتقد أدق التفاصيل اليومية في بيتها وصحبة جاراتها: "طوال عمري لم أفارق بيتي، وبعد النزوح لا يغيب عن ذاكرتي أبداً. تركنا أراضينا وأرزاقنا، وأصبح حلمنا سلة غذائية لا تغني من جوع". اللمة والألفة كسرت الحرب قلوب الأمهات في إدلب، حيث فقدت الكثيرات أبناءهن ﺍﻟﺬﻳﻦ ﺧﺮﺟﻮﺍ ﻣﻦ ﺑﻠﺪﻫﻢ ﻟﻠﻨﺠﺎﺓ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻮﺕ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺠﺒﻬﺎﺕ، ﻓﻀﻼً ﻋﻦ ﺧﺮﻭﺝ ﺁﺧﺮﻳﻦ ﺑﻌﺪ ﺗﻌﺮﺿﻬﻢ ﻟﺘﺠﺮﺑﺔ ﺍﻋﺘﻘﺎﻝ ﻣﺮﻳﺮﺓ، ﻭﻧﺠﺎﺗﻬﻢ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﻌﺬﻳﺐ ﺍﻟﺸﺪﻳﺪ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻌﺘﻘﻼﺕ، ولكن رغم كل الظروف تحاول الأمهات لم شمل العائلة، والحفاظ على دفء العلاقات، ويحاولن جمع من تبقى من أفراد الأسرة على قلب واحد. أم وليد (48 عاماً) نزحت مع أسرتها من مدينة خان شيخون منذ سنتين إلى مخيم على أطراف مدينة إدلب، أم لخمسة أبناء، وتحاول أن تحافظ على تماسك الأسرة من خلال سكنها مع زوجها برفقة ثلاث أسر لأولادها، وعن ذلك تقول: "كنا نعيش في بيوت مستقلة ولكنها متقاربة، ونجتمع بشكل دائم في الجلسات والسهرات والولائم، وحاولت الحفاظ على عاداتنا وألفتنا حتى بعد النزوح، حيث نقيم في مخيم واحد، لتبقى اللمة كما كانت في السابق". أحد أولادها سافر إلى ألمانيا وابنتها إلى تركيا، لكنها لم تقطع التواصل معهم عن طريق شبكات التواصل الاجتماعي بشكل شبه يومي، لتكون قريبة منهم، وتسألهم عن أحوالهم، وتتحدث مع أولادهم، وتبحث في أدق تفاصيل حياتهم اليومية، حتى لا تشعر ببعدهم عنها  

]]>
بانتظار المحافظ.. يوميات (دائرة دولة) في ديرالزور http://ayn-almadina.com/details/5050/5050/ar 5050 date2021-02-10 12:41:59 ayn-almadina تمتلك "دوائر الدولة" في ديرالزور قانونها الخاص.. لا يعني هذا أنها تأخذ مسافة عن نظام الأسد، لكنها وفق تكوينها البيروقراطي بالذات، كشكل من أشكال الديكور الذي تحتاج إليه "الدولة"، تقتطع حيزاً خاصاً داخل هذا النظام، وتؤسس لنفسها فيه ...
بانتظار المحافظ.. يوميات (دائرة دولة) في ديرالزور

بانتظار المحافظ.. يوميات (دائرة دولة) في ديرالزور

رادار المدينة

تمتلك "دوائر الدولة" في ديرالزور قانونها الخاص.. لا يعني هذا أنها تأخذ مسافة عن نظام الأسد، لكنها وفق تكوينها البيروقراطي بالذات، كشكل من أشكال الديكور الذي تحتاج إليه "الدولة"، تقتطع حيزاً خاصاً داخل هذا النظام، وتؤسس لنفسها فيه حياةً بدفع من حيوات يجاهد العاملون ضمنها للاستمرار فيها، بكثير من الاعتياد والفتور والبؤس والانسجام مع التفاصيل الداخلية الخاصة بعمل "دوائر الدولة" الذاتي، بعيداً عن مدى اتفاقهم ومعارضتهم للنظام، أو تصديقهم وتكذيبهم لروايته التي يؤثث فيها نفسه والعالم من حوله. منذ سيطرة النظام على نصف المحافظة الواقع جنوبي نهر الفرات في ”الشامية“ خريف العام 2017، ومديرو المؤسسات العامة في ديرالزور يبدون الكثير من التساهل مع الموظفين، نظراً لأعدادهم الكبيرة قياساً إلى انعدام الواجبات التي تتطلبها وظائفهم، مع نزوح الأهالي عن أراضيها التي يسيطر عليها النظام، باتجاه ضفة النهر الأخرى التي تسيطر عليها "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، أو إلى محافظات ثانية تحت سيطرة قوات المعارضة، أو إلى تركيا ودول النزوح، ما خلق روتيناً جديداً للدوام الجزئي أو الكلي في كل دائرة على حدة، يقطعه بين الحين والآخر تعيين "مسؤول" متحمس أو يحاول فرض شخصيته في الدائرة، ومؤخراً شبَحُ المحافظ الجديد. "مجبورين ع الدوام، يقولون المحافظ يريد يعمل لنا زيارة، بس ايمت ما حدا يعرف" يقول موظف في إحدى الدوائر اضطرته تعليمات مديرها إلى الدوام ثلاثة أو أربعة أيام في الأسبوع منذ أكثر من شهر، لكنه يضع إلى جانب زيارة المحافظ المرتقبة سبباً آخر دعا المدير إلى التشديد على ضرورة الدوام، فهناك "التقارير اللي تكتبها للأمن ناس ما تداوم بالأساس"، وبذلك يضغط هؤلاء على باقي الموظفين للإبقاء على الحد الأدنى من الموظفين في الدوام. تقع الدائرة التي ينتمي إلى ملاكها الموظف في بناء مدرسة ابتدائية، تتشاركه مع إحدى قيادات القطع العسكرية التابعة لجيش النظام، بحيث يحتل العساكر كامل المدرسة باستثناء أربع غرف فقط، واحدة مقفلة على سجلات دائرة أخرى معطلة، وأخرى مقفلة للمدير وثالثة للمطبخ حوَّلها مراقب الدوام المعين منذ أشهر إلى مكتب له، في حين يفترض بالغرفة الرابعة أن تكون للموظفين الذين يبلغ عددهم أكثر من 200 موظف وموظفة، حين يجتمع ربعهم في الدائرة يقضون الساعات الخمس من الدوام وقوفاً، لأن ممتلكات الدائرة من الأثاث 15 كرسياً فقط، وصورتان بإطار (50*30) و(100*50) لبشار الأسد. لم تعد الأمور في الدائرة كما كانت عليه قبل تعيين مراقب الدوام الجديد، ودخولها مرحلة انتظار زيارة المحافظ، لكن ما زال بإمكان أطقم لعب ورق الشدة أن تتسلَّل إلى المقهى المجاور بعد التاسعة، لكنها تضطر إلى العودة قبل الثانية للتوقيع. قبل ذلك "ما كانت الدائرة تشوف أشكالهم إلا بالمناسبات"، دون أن يطلبوا "إجازة ساعيّة" يطلبها الآن في اليوم ما يقارب ثلث الموظفين. أعلن مراقب الدوام الجديد المدعوم من مدير المديرية، شعار مرحلته قبل شهرين من الآن: "تحلب صافي تاخذ عيوني، ما تحلب صافي أكتب بيك كتاب فصل"، مستكيناً لمقتضيات الحال والعلاقات التي صارت تجمعه مع قسم من الموظفين وضغوط الواسطات وربما الرشاوى، لكنه قبلها كان يطلق التهديدات باستمرار، جديداً وحاداً في التعامل، تسبب بفصل أربعة موظفين ونقل أربعة آخرين، رغم أنه "موظف فئة رابعة، مثلو مثل المستخدم اللي صار مسؤول بس عن لم جعوب السكارات ورا الموظفين"، وهي إحدى أربعة نشاطات رفاهية يمارسها الموظفون؛ أكل خبز التنور، والاستماع إلى أغاني فيروز ثم أليسا، والكلام عن التقارير الكيدية وطق البراغي والشوارع والكهرباء وخزانات المياه والخبز والطبخ والدواعش وكراسي الدائرة الخمسة عشر. فرضت سنين التجربة والخوف جواً من الصمت على الكثير من الأمور، منها الفئات التي عارضت النظام بعيداً عن تنظيم داعش، مثل كتائب الجيش الحر والناشطين، فمن النادر أن تناقش هذه المسألة في الدوام، لأن "كل شخص بالدائرة يعرف ماضي كل شخص ثاني. المحايد معروف والمؤيد معروف والمعارض معروف، بس ما حدا يحكي خالص"، لكن كون الموظف معارضاً لا يعني أنه لا ينخرط في الموقف الكلي لانتظار المحافظ، والذي ينتظم ضمن قانون محكم وملخّص ومسموح به ضمن إطار معين: "إذا ما يبوق ما راح يطول".

]]>
نتائج الأحداث وآثارها في ديرالزور (7) من (7) http://ayn-almadina.com/details/5051/5051/ar 5051 date2021-02-11 15:26:13 ayn-almadina لا توجد إحصاءات دقيقة لأعداد المعتقلين الإسلاميين في محافظة ديرالزور، لكن ما توفر من قوائم أعدَّها إخوان بعد الأحداث بفترة وجيزة، تتجاوز الألف معتقل بينهم عدد من أصحاب التوجه الصوفي، ومن معتقلي التظاهرات وأقارب الإخوان أو المتعاونين معهم، وأكثر هؤلاء...
نتائج الأحداث وآثارها في ديرالزور (7) من (7)

نتائج الأحداث وآثارها في ديرالزور (7) من (7)

رادار المدينة

لا توجد إحصاءات دقيقة لأعداد المعتقلين الإسلاميين في محافظة ديرالزور، لكن ما توفر من قوائم أعدَّها إخوان بعد الأحداث بفترة وجيزة، تتجاوز الألف معتقل بينهم عدد من أصحاب التوجه الصوفي، ومن معتقلي التظاهرات وأقارب الإخوان أو المتعاونين معهم، وأكثر هؤلاء استشهد في الإعدامات أو أثناء التعذيب، وخرج بعضهم من السجون بعد أن أمضوا فيها سنوات طويلة. كانت الأحداث فرصة لحافظ الأسد كي يعزز من سلطته المطلقة، ويستمر في سياساته الأمنية ويشدِّدها أكثر فأكثر، وانفتحت أبواب التسلط والفساد والنهب على مصاريعها، وتأكد كل ما قيل سابقاً من أن حافظ الأسد لم يكن معنياً بإقامة دولة أو نظام حكم، وأن سياساته كلها لا تعدو توطيد سلطته هو وحلفاؤه من مافيا الميليشيات الطائفية وأجهزة المخابرات التي تغولت بعد أن توطدت سلطتها، بعكس ما كان يُفترض أن يحدث من تخفيف وتهدئة. وحسبنا أن نذكر هنا أن عمليات التعذيب السادي لم تتوقف لحظة واحدة، بل تفاقمت حتى أصبحت متعة يمارسها الجلادون، وأن الإعدامات استمرت لأكثر من عقد بعد أحداث حماة، وذهب ضحيتها أكثر من ثمانية عشر ألف شهيد. استغلت السلطة حالة الخوف والرعب لدى أهالي المعتقلين والمهجرين، لتستمر في الضغط عليهم وملاحقتهم على مدى أكثر من خمسة وعشرين عاماً، لم تتوقف خلالها التحقيقات والاستدعاءات وما يسمى بالدراسات الأمنية، التي شملت حتى المفرج عنهم.  والحديث هنا عن معاناة الأهالي والملاحقة الحثيثة لهم وابتزازهم بشأن ذويهم من المعتقلين ومعرفة مصيرهم، من الأمور التي تُدمي القلب، والتي أصبحت تجارة رابحة لدى أزلام السلطة ولدى أقاربهم، جمعوا من خلالها الأموال الطائلة، بمخادعة أهالي المعتقلين وابتزازهم وتقديم الوعود الكاذبة لهم. فكم من أب أو أم باع كل ما يملك وما فوقه وما تحته ليعرف مصير ابنه لكنه لم يصل إلى نتيجة، ناهيك عن الإذلال والتحقير والجرجرة وما إلى ذلك من هذه الممارسات المؤلمة.  بلغ بالسلطة أنها كانت تجبر أهالي الملاحقين على السفر إلى حيث يقيم أبناؤهم أو ذووهم وتهددهم بمنعهم من العودة ما لم يحضروهم معهم أو يدلوا بمعلومات حول هؤلاء، حتى بلغ الخوف ببعض الأهالي إلى أنهم كانوا يقطعون الصلة نهائياً بأبنائهم، وكذلك كان أكثر المهجرين يتجنب الاتصال بأهله أو ذويه، وحتى في أيام الحج كان الناس يتهربون من بعضهم البعض خشية ما سيكتبه عنهم الجواسيس والمخبرون. وأما المهجرون فيمكن الحديث عن الآلاف من الإخوان ومن تضرر معهم أو بسببهم، ومن سائر الإسلاميين مثل جماعة زيد وجماعة أبي ذر والجماعات الصوفية والسلفية، كجماعة الشيخ عبد القادر عيسى وجماعة الشيخ ناصر الدين الألباني وبعض العلماء والمشايخ الآخرين، تركز أكثرهم في العراق والأردن ودول الخليج، وهاجر بعضهم إلى أوروبا ودول أخرى.  هؤلاء بشكل عام ظلوا تحت الملاحقة الدائمة، وحرموا من الوثائق الرسمية كالشهادات والأوراق الثبوتية وجوازات السفر وما إلى ذلك، وصودرت ممتلكاتهم في سورية، ومن يحاول استخراج وثيقة أو قيد مدني لأي منهم قد يكلفه ذلك أن يمضي حياته في السجن. منذ احتدام الأحداث، بادر الإخوان أولاً إلى تقديم المساعدات لعوائل الشهداء والمعتقلين والمتضررين منها، ووضعوا لذلك قوائم بأسماء هؤلاء وفق سلم مدروس بعناية، وكان المصدر الرئيسي لها هو اشتراكات الإخوان وتبرعاتهم، فقد كانت اشتراكات الإخوان عشرة بالمائة، يدفعها الأخ من دخله الشخصي، وبعضهم يزيد على ذلك، واستمروا على ذلك لسنوات طويلة. وعندما اتسع نطاق الأحداث، وتضاعفت التبعات والأعباء وخاصة بعد كارثة حماة الرهيبة، بات الإخوان أمام مسؤوليات وتكاليف هائلة؛ آلاف المشردين والأيتام والأرامل والعوائل وعوائل المعتقلين والمنقطعين الذين اضطروا إلى ترك بيوتهم ومدنهم وقراهم والبحث عن ملجأ آمن في أي مكان، ويمكن الحديث هنا عن الجهود الكبيرة التي بذلها الإخوان وأصدقاؤهم ومعارفهم من مختلف البلاد، والتعاون الذي أبداه كثير من التجار ورجال الأعمال الإسلاميون وغيرهم في هذا الجانب. كان على الإخوان بعد هذا أن يبحثوا عن الوسائل الآمنة لإيصال المساعدات، بعيداً عن أنظار السلطة وجواسيسها ومخبريها، وهي مسألة محفوفة بالمخاطر والتبعات، خاصة وأن المساعدات تأتي من خارج سورية، حتى أن بعض العوائل كانت ترفض المساعدة خوفاً من أن تصل المعلومات إلى السلطة، وقد حدث هذا مراراً، وبعضها لم يتمكن أحد من الوصول إليهم، وبعضها اعتذر عن أخذ المساعدة لعدم حاجته إليها. استمر تقديم المساعدات لسنوات طويلة، وفي بعض الحالات استمر حتى أحداث الثورة السورية، وفي حالات كثيرة كانت تقدم مساعدات خاصة للمفرج عنهم لكي يتمكنوا من استئناف حياتهم من جديد. كانت النتائج كارثية، فهناك آلاف من المهجرين معظمهم من الشباب، وأعداد كبيرة من العوائل التي التحقت ببعضها على فترات، لجأوا إلى العراق والأردن وتركيا ودول أخرى، وكان معظمهم بحاجة للمساعدة، وخاصة في الشهور والسنوات الأولى، إضافة إلى أعداد كبيرة من العوائل التي تشتت بسبب الأحداث، بحاجة إلى لم شمل وخاصة لمن تركوا زوجاتهم وأولادهم في سورية. وأعداد كبيرة من الخريجين والاختصاصيين وأصحاب المهن والحرف بحاجة لفرصة عمل ليكفوا أنفسهم ومن يعيلون، وأعداد كبيرة من الطلاب بحاجة لفرصة لإكمال دراستهم التي انقطعوا عنها بسبب الأحداث، وآخرون لإكمال دراستهم الثانوية أو الابتدائية. وسط كل هذا ظهرت مشكلة الوثائق والثبوتيات، سواء لمن يريد الدراسة أو العمل أو الانتقال من بلد لآخر بحثاً عن فرصة هنا وهناك، أو توثيق حالات الزواج والولادات وما إلى ذلك. كما ظهرت أيضاً المشكلات السياسية والأمنية، وخاصة بعد أن بات أمر الإخوان مكشوفاً أمام الدول، وبين أيدي مخابراتها، وصار من المستحيل الإتيان بأدنى حركة دون علم السلطات هنا أو هناك.   *من مواليد ديرالزور 1954، مهتم بتاريخ سوريا المعاصر والحركات الإسلامية، عضو في جماعة الإخوان المسلمين منذ 1973، عضو سابق في مجلس شورى الجماعة ومكتبها السياسي.

]]>
فوضى السلاح في شمال غرب سوريا وأثره على النساء http://ayn-almadina.com/details/5052/5052/ar 5052 date2021-02-14 16:51:53 ayn-almadina صحيح أن النساء في إدلب لم يشاركن في الأعمال القتالية، إلا أنهن تعرضن -وما زلن يتعرضن- لكافة أنواع الإصابات الناتجة عنها كالجروح والحروق والتشوهات والإعاقات المختلفة التي أرهقتهن نفسياً وجسدياً، ومن أسباب تلك الإصابات انتشار السلاح بين المدنيين والعبث...
فوضى السلاح في شمال غرب سوريا وأثره على النساء

فوضى السلاح في شمال غرب سوريا وأثره على النساء

رادار المدينة

صحيح أن النساء في إدلب لم يشاركن في الأعمال القتالية، إلا أنهن تعرضن -وما زلن يتعرضن- لكافة أنواع الإصابات الناتجة عنها كالجروح والحروق والتشوهات والإعاقات المختلفة التي أرهقتهن نفسياً وجسدياً، ومن أسباب تلك الإصابات انتشار السلاح بين المدنيين والعبث به، حيث يعتبر الحصول عليه في المناطق المحررة أمراً بالغ السهولة، نظراً لانتشار المحلات التجارية التي تقوم ببيع وتصليح كافة أنواع الأسلحة الفردية. بعد كل هذه السنوات التي مرت على الحرب، وبعد كل الإرشادات والنداءات والمواد الإعلامية التوجيهية والأضرار الماثلة أمام الأعين، ما زال لانتشار السلاح الكبير في المناطق المحررة وسهولة اقتنائه والحصول عليه من قبل المدنيين أثره الخطير والمدمر على حياة السوريين، خاصة النساء اللواتي عانين في الحرب القائمة جميع أنواع القهر والفقد والنزوح والعنف، وأدت الفوضى واستخدام السلاح العشوائي إلى زيادة حالات الانفلات الأمني والجرائم المتعددة التي كان من ضحاياها المرأة التي تعرضت للقتل والإعاقة والإجهاض والكثير من الضغوط النفسية التي ضاعفت معاناتها خلال الحرب. الشابة فاتن العمر (18 عاماً من معرة النعمان، أصيبت أثناء لعب أخيها اليافع ببندقية والدهم، ما تسبب لها بإعاقة دائمة في ساقها اليمنى نتيجة الحادثة)، تقول والدتها بحزن بالغ: "أجري لابنتي عدة عمليات لعلاج ساقها ولكن دون جدوى، فأعصاب الساق تضررت إلى حد كبير". تصمت الأم قليلاً ثم تتابع بغصة "منذ تلك الحادثة وابنتي أصبحت تعاني من مشكلات نفسية، خيم الحزن والاكتئاب على حياتها، وباتت تميل إلى العزلة والبكاء معظم الوقت، كما أنها تركت دراستها على الرغم من أنها كانت متفوقة".  لكن يمكن اعتبار فاتن محظوظة قياساً إلى الضحية منال القدور من ذات منطقتها، التي فارقت الحياة في العام 2019 عندما اخترقت جسدها رصاصة من بندقية زوجها التي اشتراها قبل يوم واحد فقط من الحادثة، حينما كانت تحاول رفعها أثناء ترتيب البيت. أما فاطمة القاسم (25 عاماً من قرية الدير الشرقي) فقد أدت رصاصة طائشة من زوج طائش إلى تركها عاجزة مدى الحياة، بعد أن أصيبت بطلقة من سلاح زوجها الذي دخل في مشاجرة مع أحد أقاربه، فكانت إصابة عمودها الفقري سبباً في شللها. لم تتوقف مأساة القاسم عند هذا الحد، بل جاء طلاقها ليكمل مأساتها، بعد أن لجأ إليه زوجها ليتخلص من مسؤولية وتكاليف علاجها والاهتمام بها، حسب رأي أحد أقاربها. وقد كان لرولا الأحمد (28 عاماً من ريف إدلب) مصير أكثر مأساوية، حيث تعرضت للموت حرقاً ببودرة الديناميت التي كان زوجها يخزنها في منزله بحكم انتسابه لإحدى الفصائل العسكرية المقاتلة. وعن تفاصيل الحادثة تقول شقيقة رولا التي رحلت تاركة خمسة أطفال صغار: "كان زوجها قد وضع البودرة على متن خزانة الملابس حتى لا يستطيع الأولاد الوصول إليها، ولكن مصباح الإضاءة الليزري كان على مقربة منها، ويبدو أن البودرة جذبت شيئاً من حرارة المصباح، وهو ما أدى إلى اشتعالها". هذه القصص وغيرها، تعتبر عينات من الآثار التي يتركها انتشار السلاح بين المدنيين على صحة النساء الجسدية والنفسية وحتى الاجتماعية، وحول ذلك يعلق الناشط الإعلامي معاذ العلي من مدينة إدلب: "لقد كانت حالات القتل بالسلاح نادرة في السابق، أما الآن نواجه مشكلة غاية في الخطورة وهي الحالات المتكررة للقتل في بعض المشاجرات والاحتفالات، حين يُطلق عدد كبير من الذخائر على يد البعض". ويضيف العلي بأن الأمر لايتوقف عند هذا الحد، بل يزداد خطورة عندما يُستخدم هذا السلاح في عمليات الخطف والسرقة والاعتداء على أملاك المدنيين دون أي رقابة أو ملاحقة. و للحد من هذه الظاهرة واستنباط حلول لها، يرى المحامي إبراهيم العلوش عضو في نقابة المحامين السوريين الأحرار بريف حلب أنه لا بد من وضع حد لهذه الظاهرة من خلال سَن قوانين صارمة تحمّل المحلات التجارية مسؤولية بيع السلاح للمدنيين غير المقاتلين ضمن التشكيلات العسكرية، ويكون ذلك بتكليف رسمي من قادة التشكيلات في مناطق المحال أو أحد المسؤولين، بمعنى أن يكون بيع السلاح بموجب ترخيص رسمي تصدره السلطات على الأرض، فالوضع حسب العلوش يحتاج إلى "قوانين تجرم أي شخص يضبط بيده سلاح فردي غير مرخص، أو في غير مكانه المناسب، كما (يتوجب) منع إطلاق الرصاص في المناسبات الاجتماعية المختلفة كالأعراس وتشييع الشهداء وغيرها، وضبط المشاجرات التي يلجأ فيها بعض المدنيين لاستخدام قوة السلاح لأغراض وغايات شخصية". وإلى حين ضبط بيع السلاح وحمله واستعماله، يعتقد المحامي العلوش أن المهمة تقع على الجهات المعنية بالنشاطات المجتمعية، في إقامة "لقاءات ودورات توعوية لترسيخ المعنى المراد من حمل السلاح وكيفية التعامل الإيجابي معه“، حسب تعبير العلوش.

]]>
مُنجِّمو دمشق.. وسام حنانا المتنقل بين المطاعم وأم سمير وأبو جعفر سرايا الدفاع http://ayn-almadina.com/details/5053/5053/ar 5053 date2021-02-16 18:46:36 ayn-almadina منذ عام تقريباً، واستثماراً لظاهرة الإقبال المتزايد على التنجيم، بدأت بعض المطاعم في دمشق بالتعاقد مع منجمين لتقديم فقرة ضمن برنامجها الأسبوعي تأتي عادة نهاية السهرة أو في صبحيات النساء، وتتضمن كلمة عامة يلقيها المنجم تتخلَّلها أسئلة، ثم استشارات خاص...
مُنجِّمو دمشق.. وسام حنانا المتنقل بين المطاعم وأم سمير وأبو جعفر سرايا الدفاع

مُنجِّمو دمشق.. وسام حنانا المتنقل بين المطاعم وأم سمير وأبو جعفر سرايا الدفاع

رادار المدينة

منذ عام تقريباً، واستثماراً لظاهرة الإقبال المتزايد على التنجيم، بدأت بعض المطاعم في دمشق بالتعاقد مع منجمين لتقديم فقرة ضمن برنامجها الأسبوعي تأتي عادة نهاية السهرة أو في صبحيات النساء، وتتضمن كلمة عامة يلقيها المنجم تتخلَّلها أسئلة، ثم استشارات خاصة لمن يريد.  من مطعم ”بوابة الشمس“ قرب ساحة الميسات  إلى ”ديونيز“ في المزة، يكرر المنجم وسام حنانا وصاياه العامة  ذاتها "تحننوا على بعض وتحملوا.. والأيام الجاية راح تكون أحسن“، قبل أن يستقبل على انفراد شكاوى وهموماً شخصية من بعض الزبائن. وفي مطعم ”نيوترون“ بباب شرقي، الذي يرتاده فنانون ومذيعون، نصحت المُنجِّمة نجلاء قباني، الممثل ليث المفتي بالبقاء في البلد، وتنبأت للفنانة صفاء سلطان بمزيد من الشهرة والنجاح في العام 2021، بعدما قدمت وبرعاية أمير الحرب أبو علي خضر، سهرة الفضائية السورية في شهر رمضان الماضي. تقول (نور) وهي سيدة أربعينية تملك صالون حلاقة نسائية، إنها تعرف أشهر المنجمين والمنجمات في دمشق، لكنها تفضل أم سمير لأنها "فهمانة" وتبعث الأمل في النفوس.. "ضباط وتجار ودكاترة ومحامين.. كلن بيروحوا لعند أم سمير". أحياناً يظهر أمام بيتها حراس أشخاص مهمين، جاؤوا يطلبون حل مشكلة، أو إزاحة عائق، أو مجرد المشورة والتنبؤ في شؤون مهنية أو عائلية أو عاطفية "الناس همومها كترانة.. ما حدا مرتاح بهالأزمة“.. تشرح (نور) المرأة المتحررة التي تعرف الشكاوى والمطالب السائدة، لدى كل شريحة. حيث يطلب الضباط عادة الانتقال من محل وظيفي إلى آخر "ما فيه خطر أو عشان يستفادو أكتر" ويسألون عن مصيرهم، ترقية أو تسريح أو تمديد، في النشرات العسكرية نصف السنوية. لكن هناك نوع آخر من الهموم في حياة بعض الضباط..  "كان في عميد دكتور بمشفى تشرين طلب من أم سمير تعمل عمل لصاحبته ممرضة تركته وراحت مع واحد بالرابعة“. تبدأ الأسعار لدى أم سمير بـ(100) ألف ليرة، لكنها تتسامح في بعض المرات إلى أقل من ذلك وتعمل أحياناً بالمجان "صدقة" حسبما تقول (نور) المعجبة بأم سمير لأنها "بتراعي المعترين، خاصة لما يكون عندن حدا مفقود مخطوف أو موقوف  بهالأزمة" التي كان بالإمكان تجنبها لو ”وزعوا مصاري لكل واحد مليون ليرة" وفق ما تنقل عن أم سمير. مفقودو "الأزمة" ومن الجانبين معارضة أو نظام، موضوع أساسي في يوميات المنجمين الذين ازداد عددهم خلال السنوات السابقة، وتعددت مستوياتهم حسب نوع وطبقة الزبائن، من الأثرياء والنافذين كما في حالة أم سمير ووسام حنانا، نزولاً إلى أبو جعفر المتقاعد القديم من سرايا الدفاع ، الذي كاد من اليأس والملل أن يعود إلى ضيعته عين شقاق في ريف جبلة، لولا الحرب التي غيرت حياته كلياً. إذ توقف عن شرب العرق أمام باب بيته قرب الخزان في حي عش الورور الفقير، وخلع البيجاما التي كانت تلتصق به طيلة اليوم، وارتدى "جلابية" بيضاء ومنديلاً أبيض على الرأس وتحول إلى شيخ ومنجم، لكنه ظل محل شك من الجيران بأنه متطفل على التنجيم حتى بدأ الزبائن  يسألون عن منزل الشيخ، وارتبطت المحطة الأهم في مسيرته المهنية، بغزوات تنظيم داعش، على مطار الطبقة والفرقة 17 في محافظة الرقة، وعلى مدينة تدمر. حينذاك ابتسم الحظ لأبو جعفر بسلسلة من النبوءات الموفقة عن مصير جنود مفقودين "ابنكن تايه بالصحرا، ابنكن بين أربع حيطان، ابنكن شهيد". وبعكس أم سمير التي تحرص على بث الأمل في النفوس، لا يزف أبو جعفر إلا القليل من التنبؤات السارة، لأنه واقعي من جانب، وسادي يستمتع بوقع نبوءاته المؤلمة على وجوه الزبائن أو المراجعين من جانب آخر. نظرياً يرحب أبو جعفر بالجميع على قدم المساواة وبغض النظر عن انتماءاتهم الطائفية، لكنه يراعي قليلاً "الفقرا" من أبناء الطائفة العلوية، فلم يتقاضى إلا 10 آلاف ليرة، نصف الأجر المطلوب من أم جاءت بابنتها من طرطوس، لتسأل عن مصير خطيب البنت، الضابط الصغير المفقود في إدلب منذ 2015، وترك لها النصف الثاني ضيافة وإكراماً للشابة التي نصحها بأن تخلع خاتم الخطوبة وتدعو لـ“الشهيد“. ومثل أبو جعفر، التقطت نوال وهي نازحة من ريف دمشق الاتجاه المربح من الأعمال خلال الحرب، فغيرت مهنتها من تنظيف الأدراج والبيوت أحياناً في حي جرمانا إلى التنجيم، لكنها تتهرب من الحالات المأساوية وتحاول التركيز فقط على قصص الحب والزواج والحمل وجنس الجنين، وعندما تضعها الصدف أمام زبون أو زبونة من نوع خاص، مثل زوجة قيادي بميليشيا الدفاع الوطني سألت عن طالعها وطالع زوجها، تنبأت لها بـ"خير كتير متل نبع المي" ما سيذهل الزوجة لاحقاً، حين استولى زوجها رسمياً وبسند تمليك على فيلا لملاك غائب في منطقة وادي العيون.

]]>
موجَة المدارس الخاصة في إدلب http://ayn-almadina.com/details/5054/5054/ar 5054 date2021-02-17 16:15:06 ayn-almadina مع موجات النزوح المتلاحقة باتجاه مناطق شمال غرب سوريا، وافتقار المخيمات التي أقيمت على عجل إلى المدارس، وتوقف الدعم عن قطاع التعليم المتعثر أساساً، يضطر الأهالي إلى تسجيل أطفالهم في المدارس التعليمية الخاصة، مقابل مبالغ كبيرة قياساً إلى أوضاعهم، ما ي...
موجَة المدارس الخاصة في إدلب

موجَة المدارس الخاصة في إدلب

رادار المدينة

مع موجات النزوح المتلاحقة باتجاه مناطق شمال غرب سوريا، وافتقار المخيمات التي أقيمت على عجل إلى المدارس، وتوقف الدعم عن قطاع التعليم المتعثر أساساً، يضطر الأهالي إلى تسجيل أطفالهم في المدارس التعليمية الخاصة، مقابل مبالغ كبيرة قياساً إلى أوضاعهم، ما يزيد في إثقال كاهلهم وسط الأوضاع المعيشية المأساوية التي يعيشها النازحون وسكان المنطقة بالعموم. طارق تميم نازح من ريف حماة الشمالي إلى منطقة دير حسان على الحدود السورية التركية، كان يعمل حارساً في أحد المنظمات الإنسانية ويتقاضى 300 دولاراً في الشهر، لذلك عمد إلى إرسال ثلاثة من أطفاله لإكمال تعليمهم في المدرسة الخاصة، وذلك مقابل ما يقارب ٧٠ دولاراً بشكل شهري. وبعد انتهاء عقد عمله، لم يعد قادراً على دفع القسط الشهري للمدرسة، لذا قام بتوقيفهم عن الدراسة. يقول لعين المدينة: "بقي الأولاد شهراً بعد فصلي من الوظيفة، لأنه لم يعد بالإمكان تركهم لوقت أطول بسبب عدم قدرتنا على الدفع. بعد شرح وضعنا للمدرسة لم يكن هناك أي تجاوب، ورفضوا تدريسهم إلى حين تأمين سداد القسط الشهري نهاية العام". امتياز لمن لديه المال قرر أحمد سليم (نازح من من ريف إدلب الجنوبي إلى مخيمات سرمدا) تسجيل أبنائه في مدرسة سرمدا الخاصة بعد أن يأس من افتتاح مدرسة عامة، نتيجة انقطاع الدعم عن قطاع التعليم منذ ثلاث سنوات. "لو بدي بيع تيابي واشتغل ليل نهار رح حطهن بالمدرسة، لأن تركوا المدرسة سنتين قام بطلوا يعرفوا يكتبوا". يقول أحمد الذي يعمل في المقاولات، ويؤمن عمله مردوداً مناسباً يساعده في تعليم أطفاله الأربعة، الذي يكلفه ما يقارب ١٠٠ دولار شهرياً.
افتتحت المدارس الخاصة بجهود خاصة، يتقاضى أصحابها ما يقارب ٢٠ دولاراً عن الطفل الواحد شهرياً، أي ما يقارب ٨٠ دولاراً في الفصل، عدا عن تكاليف القرطاسية واللباس، الأمر الذي دفع الكثير من الأهالي إلى الإحجام عن إرسال أطفالهم، وسط مناشداتهم بفتح مدارس مجانية للأطفال في مناطق المخيمات، لأن آلاف الطلاب فيها باتوا يعانون من التسرب.  أحد أولئك علاء القاسم النازح من ريف حماة الشمالي إلى مخيمات شمال إدلب. يعاني القاسم من ضائقة مادية خانقة، إذ لا يوفر عمله في تفريغ وتعبئة الخضار في سوق الهال أكثر من ٨٠ دولاراً في الشهر، في حين يحتاج طفلاه إلى ٥٠ دولاراً إذا أراد وضعهم في مدرسة خاصة، وعن ذلك يقول: "ما نعرف بدنا نجيب أكل ولا نوفر مصاري لحط ولادي بالمدرسة. هلق الأكل والشرب أهم، وإذا صار معنا مصاري بالمستقبل بحطهن بمدرسة خاصة". يطالب القاسم بمجانية التعليم، التي يرى أنها إحدى البديهيات التي يتوجب على المنظمات الالتفات إليها، إذ أن "كل هذا الدعم المقدم من قبل المنظمات ليس له فائدة دون قطاع التعليم وافتتاح مدارس جديدة"، في ظل عجزه عن دفع تكاليف الدراسة والمعيشة في آن واحد، رغم افتتاحه مؤخراً "بسطة" في المخيم إضافة إلى عمله في سوق الهال. ميزات توفرها الندرة! تفتتح المدارس الخاصة في أبنية حديثة، تحوي عدداً من القاعات المدرسية المجهزة بمقاعد ومعدات ومدافئ جديدة. وتعيّن المدارس غالباً كوادر وفق آلية اختيار الأفضل. وتدفع قلة فرص العمل مئات المدرسين ذوي الخبرة العالية إلى التقدم للعمل في المدارس الخاصة، ما يتيح للقائمين عليها انتقاء أكثرهم خبرة. أحمد نجار مدير مدرسة المعرفة الخاصة يقول: "يعاني التعليم في إدلب من أزمة متعددة الجوانب أبرزها عدم الاستقرار في العملية التعليمية، مروراً بانقطاع الطلاب وتفاوت مستوياتهم التعليمية بالإضافة إلى انقطاع الدعم مؤخراً عن التعليم في الحلقة الثانية والثانوي". يشرح نجار لعين المدينة أن بداية التعليم الخاص كانت مع معاهد التقوية لشهادتي الإعدادية والثانوية وحضانات الأطفال، واليوم يشمل طلاب الابتدائية والإعدادية، الذي بدأ منذ العام الدراسي 2014-2015 خاصة بعد سقوط العمل بالقوانين التي كانت تقيد مثل هذه المشاريع، في مدن حزانو، سرمدا، الدانا، ومدينة إدلب مركز المحافظة، واليوم يشهد انتشاراً واسعاً وإقبالاً متزايداً من الطلاب. ويرى نجار أن التعليم الخاص "تلبية لحاجة ملحة برفد التعليم العام بحاملة رديفة ومساعدة، خصوصاً مع تلقي التعليم العام ضربات موجعة من حيث البنى التحتية، وتوقف تطويرها وزيادتها والنقص الشديد بالإمكانيات والأدوات". وحول الانتقال من التعليم الخاص للتعليم المجاني يوضح النجار أنه "من الممكن أن يتطور إلى نصف مجاني أو تشاركي، أو أن تتكفل جهات ومنظمات بأقساط عدد من الطلاب في بعض المدارس و المعاهد". رقابة شكلية: تتبع المدارس والمعاهد الخاصة للمجمعات التربوية التابعة بدورها لمديرية التربية ودائرة التعليم الخاص في وزارة التربية التابعة للحكومة المؤقتة أساساً، لكنها اليوم تعمل شبه مستقلة. وتشرف مديرية التربية والتعليم على التعليم الخاص من ناحية السجلات والمنهاج والكادر التعليمي والأمور المالية، عن طريق "مكاتب التعليم الخاص" والموجهين في المجمعات التربوية السبعة الموزعة على المناطق، وكذلك دائرة الرقابة الداخلية. يقول مدير دائرة التعليم الخاص ربيع أبو زيد لعين المدينة: "هناك قسم من المدارس الخاصة المدعومة من بعض الجمعيات تقدم الخدمة التعليمية بالمجان، لكن التعليم الخاص يبنى على الرسوم المفروضة على الطلاب وهي تختلف من منطقة لأخرى وحسب المدرسين الذين يتم التعاقد معهم". ويوضح أبو زيد أن المديرية تقدم كافة التسهيلات لمن يرغب بالترخيص، وتشترط لذلك مؤهلاً علمياً وقيداً عقارياً أو سنداً للملكية، بالإضافة إلى "موافقة جوار" وتحقيق الشروط الفنية الدنيا في البناء، دون توضيح الآليات التي تتأكد فيها المديرية من صحة المستندات المقدمة ومراقبة مدى تطابق الواقع مع الخطط. أما بخصوص عدد المدارس الخاصة والطلاب المسجلين فيها في إدلب، فلا تملك مديرية التربية ممثلة بمدير دائرة التعليم الخاص أبو زيد الذي حاورته عين المدينة أرقاماً دقيقة بخصوصها!!

]]>
فوبيا سوريا) تظهر في صفقة تبادل الأسرى بين الأسد وإسرائيل) http://ayn-almadina.com/details/5056/5056/ar 5056 date2021-02-22 13:30:46 ayn-almadina نفى مصدر إعلامي لوكالة أنباء النظام السوري ما تناقلته وسائل إعلامية عن وجودِ بندٍ سريّ في صفقة تبادلِ الأسرى الأخيرة التي تمّت قبل أيام بين نظام الأسد والاحتلال الإسرائيلي بوساطةٍ روسية. البند الذي يُفترض أنّه سري، يقول إن إسرائيل سوف تزوّدُ النظام ب...
فوبيا سوريا) تظهر في صفقة تبادل الأسرى بين الأسد وإسرائيل)

فوبيا سوريا) تظهر في صفقة تبادل الأسرى بين الأسد وإسرائيل)

رادار المدينة

نفى مصدر إعلامي لوكالة أنباء النظام السوري ما تناقلته وسائل إعلامية عن وجودِ بندٍ سريّ في صفقة تبادلِ الأسرى الأخيرة التي تمّت قبل أيام بين نظام الأسد والاحتلال الإسرائيلي بوساطةٍ روسية. البند الذي يُفترض أنّه سري، يقول إن إسرائيل سوف تزوّدُ النظام بـ(١٠٠) ألف جرعة من لقاح كورونا. وبذلك تكون الصفقة قد اقتصرت على "تحرير" مواطنين سوريّين من سجونِ الاحتلال، مقابل إطلاق سراح فتاة إسرائيلية كانت قد دخلت عن طريق الخطأ إلى الأراضي السورية، وألقت "الجهات المختصّة" القبض عليها. وكان الاحتلال قد أعلن فجر أمس الأول على لسان رئيس وزرائه بنيامين نتنياهو أنّ العملية ”تمّت بنجاح، وقد عادت المواطنة الإسرائيلية إلى أهلها سالمة“، وكمبادرة حسن نيّة، وفقًا لنتنياهو، فإنّ إسرائيل أعادت إلى سوريا رعاة أغنام كانوا قد دخلوا إسرائيل. بينما منحت سلطات الاحتلال عفوًا عن نهال المقت، التي كانت تقضي فترة خدمة مجتمعية في إسرائيل عوضًا عن سجنها، وستقتصرُ عقوبتها على ثلاثة أشهر فقط. اللافتُ في الأمر أنّ وسائل إعلام النّظام تجنّبت الحديث في الأيام الثلاثة الماضية عن الأسير السوريّ لدى قوّاتِ الاحتلال الإسرائيلي "ذياب قهموز" بعد أن ذُكر اسمه، في وسائل الإعلام ذاتها، كواحدٍ من اثنين سيجري تحريرهما مقابل إطلاق سراح الفتاة الإسرائيلية المحتجزة في سوريا. والسرّ وراء ذلك، أنّ قهموز رفض إطلاق سراحه، إذا كان المُقابل هو إبعاده عن قريته (الغجر) وإعادتهِ إلى "الوطن الأم"، وهو ما تجنّبت وسائل إعلام النظام ذكره. لا يندرج سلوك الأسير ذياب قهموز ضمن ما يُسمّى ”مُتلازمة ستوكهولم“، فهو لم يرفض إطلاق سراحه، ولم يُبدِ تعاطفًا مع مُحتجزِيه. لم يخرج إلى الإعلام ليُعلنَ تضامنه مع إسرائيل، مثلما فعلَت "باتي هيرست"، وهي ابنة أحد الأثرياء من كاليفورنيا، والتي كان قد اختطفها بعض المسلحين الثوريين عام 1974، لتبدي تعاطفًا مع مختطفيها وتشاركهم في إحدى عمليات السطو، قبل أن ينتهي بها الأمر لأن يتم إلقاء القبض عليها ويحكم عليها بالسجن. ويُفسّرُ علم النفس التطوري التعاطف والارتباط مع الخاطف في ”متلازمة ستوكهولم“ بأنه "حلٌّ لمشكلة تعايش الضحيةِ مع وضعٍ تكون فيه مسلوبةَ الإرادة ومغلوباً على أمرها، للحفاظ على حياتها وبقائها. وهو أمرٌ شائعٌ منذ أقدم العصور".  لكنّ قهموز لم يفعل هذا، كما أنّهُ لم يقل إنّ مُعتقِليْه أناسٌ طيّبون لأنّهم يسمحون لهُ تناول الطعام. كلّ ما فعلهُ الرجل أنّهُ رفض إخلاء سبيلهِ إذا كان يعني ترحيله عن قريته، وإرسالهِ إلى سوريا. من بين ما يمكن أن يجده المهتمون بقاموس Urban Dictionary الجماعي الإلكتروني على الإنترنت اصطلاح “سيريا فوبيا”، الذي بات مستخدماً بشكل واسع، وتعبر عنه حالة الأسير دياب قهموز، فالخوف من الإقامة في سوريا أو قضاء بقية حياتك فيها، تحول إلى فوبيا شائعة وفق ما يقول شرح المصطلح في القاموس الالكتروني: "بسبب السنوات الثماني الماضية من التدهور والفساد والدمار. طور جيل الألفية السوري نوعًا فريدًا من القلق الجماعي، والذي تطور تدريجياً إلى فئة رهاب جديدة تُعرف اليوم باسم رهاب سوريا، وتشمل الأعراض العامة القلق الشديد والخوف من عدم القدرة على مغادرة سوريا، وبدء حياة أفضل في مكان آخر، أو الاضطرار إلى العودة لمن غادروا بالفعل". لعلّ رُهاب سوريا هذا، هو التشخيص البديهيّ لما أصاب ذياب قهموز، حين أعلنت جميعُ الأطراف استعدادها لتحريره وإرسالِهِ إلى وطنه، إلّا هو..

]]>
مأزق السكان جنوب الحسكة.. بين حملات ”قسد“ وهجمات داعش http://ayn-almadina.com/details/5057/5057/ar 5057 date2021-02-23 16:22:00 ayn-almadina بعد "الحملة العسكرية" التي أطلقتها "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) "انتقاماً" لمقتل الرئيسة المشتركة لمجلس بلدة تل الشاير جنوب الحسكة سعدة الهرماس ونائبتها هند الخضير في 23  كانون الثاني المنصرم، يبقى المدنيون هناك ع...
مأزق السكان جنوب الحسكة.. بين حملات ”قسد“ وهجمات داعش

مأزق السكان جنوب الحسكة.. بين حملات ”قسد“ وهجمات داعش

رادار المدينة

بعد "الحملة العسكرية" التي أطلقتها "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) "انتقاماً" لمقتل الرئيسة المشتركة لمجلس بلدة تل الشاير جنوب الحسكة سعدة الهرماس ونائبتها هند الخضير في 23  كانون الثاني المنصرم، يبقى المدنيون هناك عالقين بين نتائجها كما أظهرها الإعلام الرسمي لـ“قسد“، ومجرياتها الفعلية كما رواها لـ“عين المدينة“ أهالي وفاعلون من المنطقة، وبين ضغط الخوف من خلايا "تنظيم الدولة" (داعش). شاركت في الحملة التي بدأت في الـ4 من شباط الجاري وانتهت في الـ14 منه، كل من "وحدات حماية الشعب" و"وحدات حماية المرأة" و"قوى الأمن الداخلي" إلى جانب ”قسد“، حسب صفحة "الإعلام الحربي" للأخيرة على فيسبوك. وشملت الحملة مناطق في البادية الممتدة من الحسكة باتجاه ديرالزور جنوباً، وشرقاً حتى الحدود السورية العراقية، واستهدفت قرى التويمين وأبو حامضة وتل الشاير وتل صفوك والدشيشة والعطشانة في ريف منطقة الشدادي جنوبي محافظة الحسكة. وفي منشور نشرته مؤخراً صفحة "الإعلام الحربي" على فيسبوك، ظهر في فيديو من قالت إنه أحد مرتكبي جريمة اغتيال الإداريتين، وأن عدد المعتقلين في الحملة العسكرية كان "87 إرهابياً" حسب المنشور. يشرح أحد القضاة في محاكم "الإدارة الذاتية" في مدينة الحسكة لـ“عين المدينة“ أن الاعتقالات التي حصلت في منطقة جنوب الحسكة هي "اعتقالات أمنية خاصة بتهم الإرهاب، لا تحتاج إلى مذكرة توقيف أو أمر قضائي". ويتابع القاضي الذي فضل عدم الكشف عن اسمه: "أي شخص ينذكر اسمه ينجاب". ورغم امتلاك محاكم "الإدارة الذاتية" لوائح تنظيمية في هذا الصدد، لكن نفاذها يقتصر على القضايا المدنية، حسب القاضي الذي ختم حديثه بسخرية ممزوجة بنقمة "خلينا ساكتين أحسن". محمد (اسم مستعار) أحد أبناء المنطقة التي شملتها الحملة واعتقل أخوه فيها، يذكر أن الحملة بدأت الساعة 2 فجراً، نفَّذتها دوريات مكونة من عشرات العناصر في عربات مصفحة وسيارات بيك أب مزودة برشاشات مضادة للطيران. يقول محمد لـ“عين المدينة“ للتدليل على عشوائية قسم كبير من الاعتقالات "شالوا من كل بيت شخص"، ويضيف أن أحد المعتقلين الذين حرص العناصر على التأكد من اعتقاله يعمل في تهريب السلاح، وقد اعتقلوا معه أخاه من ذوي الاحتياجات الخاصة. ورغم أن المعتقلين في الحملة ما زالوا في سجون ”قسد“، بحيث يصعب التحدث معهم، لكن مجريات السجن والتحقيق باتت معروفة لسكان المنطقة الممتدة بين ريف الحسكة الجنوبي وريف دير الزور الشمالي الشرقي باتجاه الحدود العراقية، والتي شهدت حملات اعتقال متكررة في أوقات متفرقة منذ سيطرة ”قسد“ على المنطقة. كان أبرزها بداية عام 2019 بعد استهداف رتل لقوات التحالف الدولي في منطقة الشدادي، تلاها الكثير من الحملات المشابهة. يوسف (31 عاماً معتقل سابق) قال لـ“عين المدينة“ إن اعتقاله كان من مدينة الشدادي نهاية العام 2020، وأنه خضع بعدها للتحقيق من محققَين أحدهما "كردي لا يعرف العربية"، وأن جلسة التحقيق سُجّلتْ عبر كاميرا فيديو. يضيف: "طلعت بعد شهر بسجن الحسكة بدون ما أعرف سبب الاعتقال". أما الطفل ياسين (16 عام من قرى جنوب الحسكة) اعتقل في حزيران 2020 مع 8 أشخاص من قريته، بتهم متفرقة مثل الانتماء إلى داعش والتواصل مع "الجيش الوطني". يقول إنه قضى 13 يوماً في السجن، بدايتها يومان في منفردة في سجن الشدادي، ثم في زنزانة جماعية في سجن الحسكة، ويضيف "أول أسبوع اعتقال كفوف ورفسات" في إشارة إلى الضرب الذي تعرض له مع باقي المعتقلين.  وبحسب من تكلمت معهم ”عين المدينة“ من المنطقة، فإن الذين يدخلون إلى السجن اعتباطياً في حملات مشابهة، يخرجون إما عن طريق وساطات عشائرية من وجهاء وشيوخ عشائر من المنطقة أو عبر رشاوى لمتنفذين في ”قسد“. كما ذكر العديد منهم أن عدد من اعتقل خلال الحملة الأخيرة تجاوز 120 شخصاً، ويعتقد الكثيرون من أبناء المنطقة أنها بمثابة عقاب جماعي للأهالي، الذين رفض الكثيرون منهم -بعد عملية الاغتيال- الذهاب إلى وظائفهم في مؤسسات الإدارة الذاتية، بسبب الخوف من التهديد الضمني الذي حملته عملية الاغتيال إلى أبناء المنطقة لردعهم عن العمل مع الإدارة، حسب ما صرح به من تكلمت معهم ”عين المدينة“.

]]>
العرف المجتمعي يسلب النساء حق الميراث في إدلب http://ayn-almadina.com/details/5058/5058/ar 5058 date2021-02-24 15:58:21 ayn-almadina وجدت ريمة نفسها بين خيارين؛ الحصول على حصتها من إرث والدها وتحسين أحوالها المادية، أو التخلي عنها مقابل المحافظة على علاقة الود مع أخوتها الذكور الذين رفضوا الاعتراف بحقها، وبقائها بانتظار هباتهم وصدقاتهم المزاجية التي تجود مرة وتنقطع مرات. ريمة ا...
العرف المجتمعي يسلب النساء حق الميراث في إدلب

العرف المجتمعي يسلب النساء حق الميراث في إدلب

رادار المدينة

وجدت ريمة نفسها بين خيارين؛ الحصول على حصتها من إرث والدها وتحسين أحوالها المادية، أو التخلي عنها مقابل المحافظة على علاقة الود مع أخوتها الذكور الذين رفضوا الاعتراف بحقها، وبقائها بانتظار هباتهم وصدقاتهم المزاجية التي تجود مرة وتنقطع مرات. ريمة البكور (45 عاماً) من بلدة حربنوش في ريف إدلب الشمالي، هي إحدى النساء اللواتي يواجهن مشكلة الحرمان من الميراث الشائعة في إدلب، نتيجة الفلتان الأمني، وسيادة العرف المجتمعي الذي يكبل النساء، ويرفض خروج ملكية الأرض من نطاق العائلة الواحدة، ويمنع المرأة من رفع صوتها للمطالبة بحقوقها، أو التقدم بشكوى قضائية ضد أحد أفراد أسرتها، في انتهاك واضح لحقوقها وتحكم بحياتها. العرف المجتمعي تضطر نساء للتنازل عن حقهن الشرعي في الأموال أو الأراضي حتى لا يوصمن بالعار، وإذا طالبت المرأة بحقها فإن ذلك يعد خروجاً عن النمط الاجتماعي السائد، وتستحق القطيعة من قبل الأهل، وقد تتعرض للضرب والإهانة. ريمة أم لأربعة أبناء، تتحدث لـ“عين المدينة“ عن معاناتها بالقول: "ربيت أخوتي وتعبت كثيراً عليهم باعتباري البنت الكبرى، وبعد أن كبروا كافؤوني بعدم الاعتراف بحصتي من ميراث أبي". وتوضح أن لها أختين ميسورتي الحال، وأنها لطالما سكتت هي عن حقها، ولكن موت زوجها منذ ثلاث سنوات، وعيش حالة الفقر وضيق الحال جعلها تطالب بحقها، لتحسين أحوالها المعيشية. وتبين البكور أنها لم تفكر بتقديم شكوى للقضاء نظراً لعدم رغبتها بوضعها في دائرة "العيب المجتمعي"، وخسارة العلاقة مع أخوتها، وخاصة بعد وفاة زوجها، "لم يتبق لي غيرهم عزوة في هذه الحياة". تشير ريمة إلى أنها تشعر بالغبن والظلم، وأكثر ما يحزنها هو تواطؤ والدتها ضدها، بحجة أن حصولها على حصتها من الميراث هو هدر لتعب أخوتها وجهدهم طيلة حياتهم، ورغبتها بنقل جميع الأملاك لأبنائها الذكور إمعاناً منها في حرمان بناتها. تحايل على النساء تتعدد أساليب حرمان النساء من إرثهن الشرعي، فبعض العائلات يحرمون بناتهم من الزواج إلا في حال التنازل عن حقهن في الميراث، وقد تحرم النساء في إدلب من إرثهن طواعية بسبب العادات والتقاليد المستبدة، أو ممارسة الإكراه المعنوي من العائلة التي لا تسمح بأن "تذهب أملاكها لشخص غريب"، رغم أن القانون السوري يعتبر أي اتفاق يتضمن التحايل على أحكام الميراث خلال توزيع التركة ووفاء الديون -سواء كان بيعاً أو هبة أو وصية- باطلاً، عملاً بالقاعدة التي تنص على أنه (لا وصية لوارث)، إذ لا يجوز للمورث -سواء في حياته أو بوصية بعد وفاته- إسقاط حق الميراث أو التنازل عنه لغير الورثة الحقيقيين. أم يوسف (39 عاماً) من ريف مدينة سراقب، تفاجأت بعد وفاة زوجها بتحايل أولاده من زوجته الأولى على القانون من خلال إبراز عقد ينص على أن والدهم تنازل عن جميع أملاكه "بيعاً وشراء" لهم، وبذلك يكون قد حرم زوجته الثانية من الإرث، وعن ذلك تتحدث أم يوسف: "زوجي يمتلك عدداً من الأراضي والعقارات، وليس من العدل أن أحرم مع ولدي من إرث زوجي". وتضيف: "أنا متأكدة بأن العقد مزور، لأن علاقتي مع زوجي كانت جيدة، وعملت على خدمته طوال فترة مرضه، ومات وهو راض عني، (!) فلماذا يحرمني مع ولدي من تركته!". وتؤكد أم يوسف أن التحايل على القانون بات ممكناً مقابل دفع الرشاوى، أو بمجرد تزوير البصمة لدى مكاتب التزوير المنتشرة في إدلب. أما عيوش البدوي (55 عاماً) من ريف معرة النعمان الشرقي، فرغم مرور السنوات لا تزال ناقمة على أخوتها الذكور الذين استغلوا أميتها من أجل تبصيمها على ورقة تنازل عن حصتها من الميراث لصالحهم، وعن ذلك تقول: "لا أجيد القراءة والكتابة، وقد أقنعني أحد أخوتي أن هذه الورقة هي وثيقة حصر إرث لينال كل منا نصيبه، فوثقت به وقمت بالبصم عليها، لأكتشف فيما بعد أنني تنازلت عن حصتي لهم، واليوم أعيش حياة العوز، بينما يعيشون مع زوجاتهم حياة مرفهة". دعاوى قضائية يصل جزء بسيط من قضايا الحرمان من الميراث إلى المحاكم الشرعية المنتشرة في الشمال السوري، من قبل نساء رفضن السكوت عن حقهن في الإرث، وقررن المواجهة للحصول عليه، علماً أن القانون المعمول به هو القانون السوري المستمد من الشريعة الإسلامية. عامرة (35 عاماً، رفضت الكشف عن اسمها الكامل) من قرية كفريحمول في ريف إدلب، تتحدث عن معاناتها بالقول: "بعد موت والدي انتفع أخوتي بأملاكه لمدة تجاوزت ثلاث سنوات، وعندما طالبت بالاتفاق مع أختي بحقوقنا، رفضوا إعطاءنا، وبعد مباحثات وتشاورات قرروا منحنا مبلغاً رمزياً مقابل التخلي عن حصتنا بالمنزل والأراضي الزراعية لهم، بذريعة عدم رغبتهم ببيع الأملاك، وتطبيق وصية والدي بالمحافظة على ما تركه لهم وعدم خسارته وتبديده". تؤكد عامرة أن الخيار الأخير كان التقدم بشكوى ضدهم في إحدى المحاكم الشرعية، حيث قامت بتوكيل محام، لكنها لا تزال منذ ثلاث سنوات ترتاد المحكمة دون الحصول على حقها. تشير عامرة إلى أنها حضرت العديد من الجلسات القضائية دون البت بالحكم حتى اليوم، بحجج مختلفة منها تشعب الورثة ووفاة بعضهم، وعدم موافقة البعض على البيع، وغياب البعض الآخر خارج البلد وصعوبة التبليغ، إضافة لطبيعة العقارات المتنازع عليها. المحامي محمود حمام يتحدث لـ“عين المدينة“ عن حرمان المرأة من الميراث بقوله: "(سببه) انتشار الجهل والابتعاد عن روح الشرع والقانون، وتحكم العرف المجتمعي الذي يستوجب بقاء الملكية ضمن نطاق الأسرة الواحدة، وعدم تقسيمها، وخاصة الأراضي الزراعية في المجتمعات الريفية". ويشير إلى أن الملكية في الأرياف محصورة بالذكور بقوة العرف والتقاليد، وليس بقوة الشرع والقانون، ما يساهم في وجود نساء فقيرات غير متمكنات اقتصادياً، وغير قادرات على الوصول إلى أملاكهن والتحكم بها والسيطرة عليها. ويبين أن القوانين واضحة وتقر بحق النساء في الميراث، وكل ما يلزم لحصول المرأة على حقها في المحاكم هو وثيقة "حصر إرث"، تبين درجة قرابة كل من الورثة للمتوفى، ثم تحسب المحكمة الحصص الإرثية بحسب نوع الملك، فإن كان "أميري"، فتكون حصة الذكر مساوية لحصة الأنثى تماماً، أما إذا كان "شرعي" فيكون "للذكر مثل حظ الأنثيين". بين أروقة المحاكم والخوف من الأعراف المجتمعية تضيع حقوق المرأة وكرامتها، ويتم استغلال ضعفها وعاطفتها للإمعان في ظلمها من أقرب الناس إليها، وحرمانها من حقها في الميراث، وتضطر الكثيرات للصمت خوفاً من تأثر علاقاتها الاجتماعية بأسرتها، أو ضعف وعيها بحقها الذي كفله لها الشرع والقانون.

]]>
أليكسي نافالني: الإنسان الأكثر حرية في العالم http://ayn-almadina.com/details/5059/5059/ar 5059 date2021-02-25 18:32:02 ayn-almadina تيري لانغستون 10 شباط  The Globalist ترجمة مأمون حلبي  عند قراءة خطاب نافالني الموجّه إلى المحكمة الروسية في الثاني من شباط، لا يمكن للمرء في الواقع إلا أن ينفجر بالضحك عدداً من المرات، وبعد ذلك يتمالك المرء نفسه ويقول: "كيف أستطي...
أليكسي نافالني: الإنسان الأكثر حرية في العالم

أليكسي نافالني: الإنسان الأكثر حرية في العالم

ترجمة

تيري لانغستون
10 شباط  The Globalist
ترجمة مأمون حلبي  عند قراءة خطاب نافالني الموجّه إلى المحكمة الروسية في الثاني من شباط، لا يمكن للمرء في الواقع إلا أن ينفجر بالضحك عدداً من المرات، وبعد ذلك يتمالك المرء نفسه ويقول: "كيف أستطيع أن أضحك في هذا الوقت؟ هذا الرجل واقع في متاعب كبيرة". أجل، إنه واقع في متاعب كبيرة. من الخطأ بمكان أن نقلل من الطبيعة الجنائية لإجراءات المحكمة الصورية التي أُقيمت ضده في موسكو. لا شك لو كانت توجد أية عدالة في روسيا، لكانت الأحكام التي صدرت بحقه قد شقت طريقاً عكسياً لها –ولكان نافالني حراً من الناحية الجسدية. لكن إن أمعنّا النظر أكثر، فإنّ قراءةً لكلماته تغوص أعمق بكثير من الظروف الظاهرية. إنها ليست مسألة ضحك– ومع ذلك... لماذا يضحك المرء عندما يقرأ كلمات نافالني؟ أولاً، لأنّ هذه الكلمات تلجأ إلى الاستخدام المحض للسخرية. وثانياً، لأنّ المرء يشعر على الفور أن أولئك الذين يوجّه إليهم كلماته عاجزون كليّة عن فهم هذه السخرية. الأنظمة الشمولية والحكّام أصحاب البطش لا "يلتقطون" السخرية، فالسخرية هي أداة تستخدمها المعارضة ضدهم. مع ذلك، يجعل نافالني حجّة قضاة بوتين الدمى (هذه الحجّة القانونية المدوّخة والمحبوكة بدهاء) تبدو بالضبط كما هي عليه: حكم مرتّب بشكل مسبق، ويهدف إلى إرضاء نظام استبدادي. ضبط بوتين متلبّساً أنا أيضاً هززت رأسي بإعجاب ومرح خالصين عندما ضبط نافالني بشكل فكاهي –لكن دون رحمة– بوتين بالجرم المشهود بوصفه الرجل الذي كان وراء الحملة الموجّهة ضده: "التفسير هو كراهية وخوف رجل واحد، رجل يختبئ في ملجأ. أثرت انزعاجه إلى درجة قصوى ببقائي حياً. وبعد ذلك ارتكبت حتى إساءة أكثر خطورة: لم أهرب وأعثر على ملاذ لي في مخبأ". في كلمته أمام المحكمة، أظهر نافالني شجاعة فائقة. القادة الاستبداديون دائماً جبناء، بلطجية وجبناء. يريدون من الناس أن يخشوهم، ولا يستطيعون تحمّل من لا يهابهم. ببراعة كبيرة، وبطريقة تجعلنا متوتري الأعصاب، يُشير نافالني إلى اختباء بوتين "في ملجأ"، ويُعيدنا ضمناً إلى أيام هتلر الأخيرة، جاثياً في ملجأه في برلين، ومحاولاً إنكار ما كان يجري على مقربة منه فوق الأرض. بأسلوب المرافعات أمام المحاكم، يوضّح نافالني للمحكمة أنّ كبيرهم ومعلمهم بوتين رجل مسكين، مهنياً وفي جوانب أخرى. بصفته سياسياً "أبداً لم يشارك بوتين في أي نقاش، ولم يخض أي حملة انتخابية. إنه مجرد بيروقراطي عُيّن بالصدفة في هذا المنصب". عند هذه النقطة يُعلن نافالني عن تحديه للشعب الروسي. السؤال المؤجّه إليهم هو: هل تريدون أن تستمروا بهذا الزيف الديمقراطي؟ وفي سياق عالمي، ليس بوسع المرء إلا أن يُلاحظ أنّ نافالني يقول عن بوتين بالضبط ما قاله جو بايدن عن الرئيس الصيني جي بينغ: "لا يمتلك عظمة ديمقراطية واحدة في جسده". عن بوتين يؤكد نافالني أنّ "القتل هو الطريقة الوحيدة التي يخوض معاركه بها". وهو يطلب من الروس –والعالم– أن ينظروا إلى بوتين بمنظار حقيقته وبمنظار ما يمارسه.  إنّ واقعة أنّ نافالني وفريقه استطاعوا جعل أحد القتلة المأجورين من قِبل بوتين يعترف في شريط فيديو أنّ أفراداً من جهاز الأمن الروسي الفيدرالي قد وضعوا السم في ملابس نافالني الداخلية –وهذا كاد يقتله تقريباً– هذه الواقعة لا بد أنها قد قتلت بوتين بطريقتها الخاصة. إحساس نافالني الخارق بالحرية الشخصية تُظهر مجريات هذا الحدث الحرية على مستوى بالغ العمق. قال نافالني: "إنّ الشيء الرئيسي في كل هذه المحاكمة ليس ما يحدث لي. سجني ليس أمراً صعباً. ما يهم أكثر من أي شيء آخر هو السبب في حدوث ذلك. هذا الأمر يحدث لإخافة أعداد كبيرة من الناس. إنهم يسجنون شخصاً ليبثّوا الرعب في قلوب الملايين". يُتابع نافالني قول الحقيقة عن الفوضى التي يجد الروس أنفسهم فيها، شعب يعيش دون ضرورة في حال من الفقر، وسط ثروة كبيرة من الموارد الطبيعية، وفي حال من الرعب الذي ينشره المستبدّون وعصبة الحكم. إنّ فهم واستخدام الحرية هو الأداة الوحيدة التي يُجابَه بها الزعماء من أصحاب اليد الطولى في هذا العالم. إنهم يفتقرون لفهم الحرية افتقاراً مطلقاً. عوضاً عن ذلك، تراهم أسرى خزائنهم المالية وجشعهم وسلطتهم، دون أن يستطيعوا الفكاك من ذلك. بناء على هذا، هم السجناء الحقيقيون، سجناء أوهامهم الذاتية ونرجسيتهم المرضيّة. ختاماً، بقدر ما يتعلق الأمر بنا، نحن الناس العاديين، من المحبّذ أن نلاحظ عبارة حنّة أرنت أنّ الحرية مسألة حياة يومية، فالحرية تُطالب كل إنسان أن يُعاين سجون الفكر التي تخصه وأن يتصرّف تصرفاً حاسماً ضدها. هل يستطيع كل شخص أن يحرّر نفسه من الأوهام والبُنى التي تمنعه من العمل بشكل حر بحق؟ هل نمتلك تلك الشجاعة؟ أمر واحد هو بحكم الأكيد: مهما يكن ما سيحدث له، نافالني رجل حر.

]]>
زوجات المعتقلين في سجون النظام.. اليأس أو الانتظار الطويل http://ayn-almadina.com/details/5060/5060/ar 5060 date2021-02-27 18:28:18 ayn-almadina تعاني زوجات المعتقلين أوضاعاً نفسية واجتماعية وقانونية واقتصادية غاية في الصعوبة، تبدأ بمواجهة أعباء الحياة بمفردهن ولا تنتهي بالضغط الكبير عليهن لإيجاد نهاية لقصصهن المعلَّقة، إذ لا تعلم إحداهن ما إذا كان يتوجب عليها التسليم بوفاة الزوج في المعتقل و...
زوجات المعتقلين في سجون النظام.. اليأس أو الانتظار الطويل

زوجات المعتقلين في سجون النظام.. اليأس أو الانتظار الطويل

رادار المدينة

تعاني زوجات المعتقلين أوضاعاً نفسية واجتماعية وقانونية واقتصادية غاية في الصعوبة، تبدأ بمواجهة أعباء الحياة بمفردهن ولا تنتهي بالضغط الكبير عليهن لإيجاد نهاية لقصصهن المعلَّقة، إذ لا تعلم إحداهن ما إذا كان يتوجب عليها التسليم بوفاة الزوج في المعتقل وإكمال حياتها دونه، أم الانتظار على أمل خروجه يوماً ما. تزوجت العشرينية مريم المنحدرة من مدينة معرة النعمان من رجل آخر بعد وصول أخبار عن موت زوجها في المعتقل تحت التعذيب، لكنها تفاجأت بعد فترة بخروج الزوج من السجن، ما أوقعها في دوامة الحزن والخجل من إقدامها على الزواج وعدم انتظاره، وعن ذلك تقول: "بعد ثلاث سنوات (من الاعتقال) تبين من خلال المحامي الذي وكله أهل زوجي أنه فارق الحياة في السجن، ونتيجة نظرة المجتمع وثرثرته ومراقبته للمرأة، خاصة إذا كانت صغيرة السن، وافقت على الزواج (مجدداً)". ترى مريم أنه كان يجب عليها الانتظار، وعدم الاكتراث لكلام المجتمع وحديثه الذي "يدفع النساء لارتكاب الأخطاء والحماقات" على حد تعبيرها، لكن المفارقة لا تغادر موقفها، إذ يبدو أن مصدر خجلها -من إقدامها على الزواج من رجل آخر- نظرة المجتمع إليها مرة أخرى بعد ظهور زوجها الأول. في الجانب الآخر بقي عدد كبير من الزوجات اللواتي اعتقل أزواجهن، يرفضن فكرة الزواج من رجل آخر، رغم جهلهن بمصير الزوج، كحال الثلاثينية فدوى من ريف إدلب التي أصرت للسنة السابعة على انتظار زوجها الذي اعتقل على أحد حواجز قوات النظام في مدينة حماة، فهي مصممة على تربية أطفالها الثلاثة ورعايتهم على الرغم من جميع الصعوبات والتحديات التي تقف أمامها. واجهت فدوى صعوبة كبيرة في إيجاد عمل كونها لا تحمل مؤهلاً، لذلك تعتمد على سلة غذائية شهرية يقتصر دعم المنظمات الإغاثية عليها، إلى جانب عملها البسيط في بيع الملابس. تقول: "أعترف بأن الحياة بلا زوج صعبة، ولكن حالنا يبقى أفضل من حاله وهو يعيش هذه الظروف القاسية"، في إشارة إلى التعذيب الذي يطال المعتقل في أقبية النظام. وأشارت إلى أن أملها بعودة زوجها الذي تربطه بها "عشرة عمر"، منعها من التفكير بالزواج أو الابتعاد عن أبنائها وتركهم لبيت جدهم.  أما من اعتقل خطيبها فهي في وضع لا يقل حرجاً وصعوبة عن الزوجة، إذ تقع عليها ضغوط مكثفة ومتناقضة في آن واحد، ما بين "الاتهام بالسفاهة" إذا استمرت بالخطبة، و"قلة الأصل" إذا لم تستمر. فاطمة (19 عاماً من خان شيخون) اعتقل خطيبها منذ قرابة ثلاث سنوات، تقول إنها دائمة التعرض إلى الضغوطات من قبل أهلها للانفصال عنه، خصوصاً أن وضع الخطيب "غامض وأخباره مقطوعة بشكل نهائي". لكنها ترفض الانفصال رفضاً قاطعاً، مشيرة إلى أن أية علاقة بين زوجين أو خطيبين مبنية على السراء والضراء. تقول: "أنا مستعدة لأن أتحمل هذه المحنة حتى يخرج من المعتقل، هذا نصيبي وأنا راضية بما قسمه الله لي". يقول الأستاذ في الشريعة الإسلامية محمد الجمعة (يقيم في ريف إدلب): "يحق لمن غيب زوجها بعد انقضاء السنة من غيابه أن تذهب إلى القضاء بحضور شاهدين يعرفان زوجها مع ما يثبت زمن حادثة فقدانه، لتحصل على حكم بالطلاق منه بشكل قانوني وتتزوج بعدها من تشاء". وبذلك يكون الخيار للمرأة وحدها دون غيرها. على أن الواقع يقول عكس ذلك، إذ تثبت قصص النساء التي تحدثت إليهن ”عين المدينة“ أن المجتمع الذي يعشن وسطه يتدخل في خياراتهن إلى حد بعيد، بعد أن يحاصرهن بشتى الطرق. وعن ذلك تتحدث الناشطة الحقوقية ميناس العمر (مقيمة في ريف حلب) قائلة: "تتعرض زوجات المعتقلين لاتهامات قاسية من قبل مجتمعاتهن، وللاحتيال والاستغلال والتحرش من قبل وسطاء ومتنفذين في الحكومة، وذلك أثناء بحثهن لمعرفة مصير الزوج. كما يعانين أوضاعاً قانونية صعبة في المناطق المحررة، وذلك بسبب وجود فراغ قانوني ناشئ عن عدم الاعتراف بالوثائق التي تصدرها الجهات القانونية والشرعية فيها، ما يؤدي إلى تركهن معلقات دون سند قانوني يمكن الركون إليه لتسوية أوضاعهن". في إشارة إلى عدم الاعتراف الرسمي بالوثائق والأوراق التي تصدرها السلطات في تلك المناطق.  إضافة إلى كل ذلك، تأتي الآثار النفسية التي يخلفها اعتقال الزوج لتكمل المأساة. وعنها تشرح الأخصائية والمرشدة النفسية فادية العبدالله (المقيمة في مدينة إدلب) قائلة: "زوجة المعتقل تعتبر من الفئات التي تعاني نفسياً، خاصة أن معنى الفقدان لديها لم يكتمل، فضلاً عن الأخبار المتقطعة والمتناقضة التي تصلها عن زوجها والتي تؤكد أحياناً أنه حي، وتشكك أحياناً أخرى بوفاته. وكل ذلك يؤثر على حالتها النفسية بشكل كبير، فتتعرض للقلق المستمر، وتواجه مشكلات مستمرة في النوم، إلى جانب الشعور بالعجز والاكتئاب والضياع والخوف من المستقبل". وتشير المرشدة النفسية إلى أن الأطفال أيضاً قد يشعرون بالنقص وعدم اكتمال النمو النفسي، خاصة الذكور، وستكون هناك حاجات غير ملبَّاة لا يعوضها سوى وجود الأب.

]]>
في دمشق.. التكيف مع الجوع من دون جدوى http://ayn-almadina.com/details/5062/5062/ar 5062 date2021-03-04 18:45:57 ayn-almadina كل يوم، وأحياناً من ساعة إلى أخرى ترتفع الأسعار، لتنشأ ظاهرة جديدة من ظواهر التكيف مع الفاقة والتحايل على الجوع. مثل ازدياد عدد النسوة والرجال الذين ينبشون حاويات القمامة أمام المطاعم. اختصار عدد الوجبات وتقليص كمية الطعام في كل وجبة. والسير على الأق...
في دمشق.. التكيف مع الجوع من دون جدوى

في دمشق.. التكيف مع الجوع من دون جدوى

رادار المدينة

كل يوم، وأحياناً من ساعة إلى أخرى ترتفع الأسعار، لتنشأ ظاهرة جديدة من ظواهر التكيف مع الفاقة والتحايل على الجوع. مثل ازدياد عدد النسوة والرجال الذين ينبشون حاويات القمامة أمام المطاعم. اختصار عدد الوجبات وتقليص كمية الطعام في كل وجبة. والسير على الأقدام عدة ساعات توفيراً لأجرة المواصلات لا سيما الموظفين وطلاب الجامعة. في الأشهر الأخيرة، بدأت محلات "الفروج" في دمشق، ببيع رؤوس الدجاج وعظام الرقبة والقفص الصدري بغرض الاستخدام البشري، بعد أن كانت ترمى للقطط والكلاب في الشوارع. وسرعان ما ارتفع سعر المجموعة العظمية للدجاجة الواحدة إلى ١٥٠٠ ليرة تقريباً، وصارت تستخدم للطبخ. ”ليش مين عم يطبخ هلأ؟“، تتساءل أم سعيد التي تسكن في حي الزاهرة الجديدة  لأن“ ٧٥ بالمية من الناس بطلت تطبخ من الغلا، البرغل صار بألفين أقل شي والرز لما يوزعوه معونة بيرجع ينباع بألفين" كما تقول. وبعد أن ارتفع سعر الزيت الأبيض مثلاً، من ٥٥٠٠ ليرة أول شهر شباط إلى ٧٠٠٠ تقريباً منتصف الشهر إلى أكثر من ٨ آلاف في آخره، تحول الزيت من مادة تستعمل في الطبخ إلى عنصر غذائي رئيسي ومباشر، يدهن على رغيف خبز ويرش بالملح والنعناع الجاف، وارتفع سعر كيلو غرام الزعتر من ٨٥٠٠ ليرة في أول شباط إلى ١٥ ألف، ما أخرجه من قائمة المواد الرخيصة التي تتوافر في معظم المنازل. هنالك شائعة يتناقلها الناس باهتمام شديد، وهي أن المؤسسة السورية للتجارة ستعرض أنواعاً جديدة ورخيصة وبجودة أقل من المواد الغذائية، مثل زيت القطن، ونوع رخيص من السكر الأسمر. لكن كثيرين ومن بينهم بعض موظفي السورية للتجارة أنفسهم، يقلِّلون من جدوى هذا الإجراء بسبب انهيار قيمة الليرة السورية وحتى لو طبق على نحو مثالي ومن دون سرقات. في محطات "السرافيس" وقرب أفران الخبز، صار من المألوف أن يبادر شخص ما، لا يبدو أنه قد تسول في السابق، إلى طلب المساعدة  لاستكمال أجرة العودة إلى المنزل أو شراء أي شيء يؤكل. ومن المألوف أيضاً أن يعرض رجل أو امرأة، وقوفاً أو على كيس على الأرض أنواعاً غير متجانسة من البضائع والمواد، يبدو أنها جُلبت مباشرة من المنزل أو أنها مسروقات.. ساعد يد، علبة مربى، حذاء مستعمل، حقيبة سفرية، مصباح يدوي، وأشياء أخرى شديدة التنوع. واتسعت ظاهرة بيع الأدوات والمواد المستخدمة في المنزل في الشوارع، وعبر مجموعات الفيسبوك والواتس أب، وعندما قررت أم سعيد بيع سجادة كانت تمدها في غرفة رئيسية بالمنزل عرضتها في تطبيق واتس أب، وهي تفكر اليوم ببيع جزء من أواني المطبخ "طنجرة ضغط، وخلاط فواكه وطقم كاسات عصير.. مالي بعازتها“. بيع الأواني المنزلية بالنسبة لربة منزل كانت تعتز بذاتها مثل أم سعيد، تنازلٌ كبير لم تكن لتقدم عليه لولا التدهور الذي طرأ على حياة عائلتها بعد أن توقف أبناؤها الشباب عن العمل "الكبير كان معلم أركيلة بالربوة، ومشغل إخواته الاتنين بس بطلوا كلن، ما ضل شغل وصار عم يخسر من جيبه“. لم يعد الوارد بالنسبة للعاملين بأنواع المهن والحرف المختلفة، يكفي لمواصلة دورة العمل، حيث اضطربت هذه الدورة بسبب الصعود السريع والمستمر لأسعار المواد الأولية، فـ"بيع بلوزة صوف بأي سعر ما بيجيب كمية الصوف اللازمة لشغل نفس البلوزة“.. يشرح رأفت الخياط الذي استغنى عن اثنين من العاملين معه ويفكر بالاستغناء عن الثالث ريثما تتسنى له فرصة لتصفية أعماله كلها والرحيل إلى مكان لم يحدده بعد "يمكن مصر ويمكن ويمكن دبي ويمكن تركيا“، حيث سبقه بعض أفراد عائلته وبعض أصدقاءه إلى هناك. أمام محلات البقالة يتكرر أن تحدث مشاجرات بين البائع وأشخاص حاولوا السرقة من المحل "قد ما سرقوني حطيت خشبة ومنعت الفوتة عالمحل واللي بده شي يطلبه من الرصيف وأنا بجيبه“.. يقول أحمد الذي يدير محل بقالة لعائلته في حي الميدان، ويميز نوعين من الزبائن اللصوص: أولاد الحرام الذين يسرقون بالرغم من امتلاكهم المال، والفقراء المعدمون، ويؤكد أن كثيراً من الفقراء "المعترين ما بيسرقوا، لكن بيشتروا شي أقل عن أول بكتير“، مثل نصف أوقية لبن، حفنة شاي إما مئة أو خمسين غرام، وكأساً صغيرة من الأرز، بما يكفي ليوم أو لوجبة واحدة ولعدد قليل من الأفراد. يحترم أحمد هؤلاء الناس وأحياناً يتنازل عن جزء من الثمن وخاصة لكبار السن والنساء.

]]>