lang.HOME http://ayn-almadina.com/ ar 2020-09-20T20:21:06 أساليب التدفئة البديلة في الشمال السوري.. مخاطر وأضرار صحية http://ayn-almadina.com/details/4969/4969/ar 4969 date2020-01-02 19:17:44 ayn-almadina وكأن المعاناة الناتجة عن القصف المتواصل لمنطقة إدلب من قبل قوات النظام والطيران الروسي لم تعد تكفي سكانها، فجاء الارتفاع الشديد في سعر المحروقات ليزيدها حدة. فشتاء إدلب قارس والعمليات العسكرية في شرق الفرات عرقلت كثيراً نقل المحروقات إليها، فارتفعت أ...
أساليب التدفئة البديلة في الشمال السوري.. مخاطر وأضرار صحية

أساليب التدفئة البديلة في الشمال السوري.. مخاطر وأضرار صحية

رادار المدينة

وكأن المعاناة الناتجة عن القصف المتواصل لمنطقة إدلب من قبل قوات النظام والطيران الروسي لم تعد تكفي سكانها، فجاء الارتفاع الشديد في سعر المحروقات ليزيدها حدة. فشتاء إدلب قارس والعمليات العسكرية في شرق الفرات عرقلت كثيراً نقل المحروقات إليها، فارتفعت أسعار مواد التدفئة الأساسية بشكل كبير ما دفع سكان المناطق المحررة من قبضة النظام إلى البحث عن بدائل يفتقد معظمها إلى أدنى معايير السلامة. لا يزال الحطب من وسائل التدفئة الأكثر شيوعاً في إدلب وريفها، ولكن كثرة الطلب عليه ساهم في غلاء أسعاره. سامر الشيخ أحمد يستخدم الحطب، وعن ذلك يقول: "ﻟﻢ ﻳﻌﺪ ﺍﻟﻤﺎﺯﻭﺕ ﺣﻼً ﻟﻠﺘﺪﻓﺌﺔ ﻓﻲ ﺇﺩﻟﺐ لندرته وغلاء أسعاره، لذلك نعتمد على ﺍﻟﺤﻄﺐ. لكننا مجبرون على استخدام الورق وأكياس النايلون لإشعاله في المدفأة فينبعث الدخان في المنزل، كما تتعرض أنابيب المدفأة للإنسداد ﻓﻲ ﻣﻌﻈﻢ ﺍﻷﺣﻴﺎﻥ ما يستوجب ﺗﻨﻈﻴﻔﻬﺎ ﻣﺮﺓ في الشهر ﻋﻠﻰ ﺍﻷﻗﻞ". ويتابع "ﺗﺰﺍﻣنت حاجة الناس ﻟﺒﺪﻳﻞٍ ﻋﻦ ﺍﻟﻮﻗﻮﺩ التقليدي ﻣﻊ ﺍﺳﺘفادة بعض ﺍﻟﻤﻨﺎﻃﻖ من ﻤﻮﺳﻢ ﺍﻟﻔﺴﺘﻖ ﺍﻟﺤﻠﺒﻲ لإنتاج ﻣﺪﻓﺄﺓ ﺧﺎﺻﺔ ﺗستخدم قشوره الصلبة وقودا. ﻭﺗﺘﻤﻴﺰ ﻫﺬﻩ ﺍﻟقشور ﺑﺄﻧﻬﺎ ﻻ ﺗﺼﺪﺭ ﺭﺍﺋﺤﺔ ﻛﺮﻳﻬﺔ لدى احتراقها ﻋﻠﻰ ﻋﻜﺲ ﻣﻌﻈﻢ ﺑﻘﻴﺔ ﺍﻟﻤﻮﺍﺩ، لكن سعرها يبقى غالياً نسبياً ويقتصر استخدامها على الميسورين، حيث يبلغ ﺳﻌﺮ ﺍﻟﻄﻦ ﺍﻟﻮﺍﺣﺪ ﻣﻦ ﻗﺸﺮ ﺍﻟﻔﺴﺘﻖ حوالي 175 ﺩﻭﻻراً، أما ﺍﻟﻤﺪﻓﺄﺓ ﺍﻟﺨﺎﺻﺔ ﺑﻪ فيبلغ ﺳﻌﺮﻫﺎ 100 ﺩﻭﻻﺭ ﻋﻠﻰ ﺍﻷﻗﻞ". الكثير من الأهالي يستخدمون ﺍﻟﻔﺤﻢ ﺍﻟﺤﺠﺮﻱ للتدفئة رغم أضراره الصحية. أبو حسن يبيع الفحم الحجري في بلدة خان السبل بريف إدلب، تحدث لعين المدينة قائلاً: "الفحم ﺛﻼﺛﺔ ﺃنواع ﺑﺤﺴﺐ ﺟﻮﺩﺗﻪ، ﻓﺎﻷﺑﻴﺾ ﻫﻮ ﺃﺭﺩﺃ ﺍﻷﻧﻮﺍﻉ، ﻭﺃﻓﻀﻠﻬﺎ ﻫﻮ ﺍﻷﺯﺭﻕ ﻭﻳﺘﻮﺳﻄﻬﻤﺎ ﺍﻷﺣﻤﺮ، وﻛﻞ ﻧﻮﻋﻴﺔ ﺗﺨﺘﻠﻒ ﻓﻲ ﺳﻌﺮﻫﺎ ﻋﻦ ﺍﻷﺧﺮﻯ". فاطمة من معرة النعمان تستخدم الفحم للتدفئة باعتباره أقل تكلفة من وسائل التدفئة الأخرى، وعن ذلك تقول: "ﺍﻟﻔﺤﻢ ﺟﻴﺪ ﻛﻤﺎﺩﺓ ﻟﻠﺘﺪﻓﺌﺔ، ﻭﻟﻜﻨﻪ ﻳﻬﺪﺩ ﺑﺘﺤﻮﻳﻞ ﻛﻞ ﻣﺎ ﺣﻮﻟﻪ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻠﻮﻥ ﺍﻷﺳﻮﺩ ﻭﻳﺼﺪﺭ ﺭﺍﺋﺤﺔ ﻛﺮﻳﻬﺔ ﻟﺪﺭﺟﺔ ﺃﻥ ﺃﻃﻔﺎﻟﻲ يمرضون بشكل مستمر، أما ولدي الأصغر فقد أصيب بمرض الربو التحسسي”. كذلك يلجأ البعض للتدفئة بالبيرين، وهو ﻣﺨﻠﻔﺎﺕ ﺍﻟﺰﻳﺘﻮﻥ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻨﺘﺞ ﻋﻦ ﻋﻤﻠﻴﺔ ﺍﻟﻌﺼﺮ ﻭﺍﺳﺘﺨﺮﺍﺝ ﺍﻟﺰﻳﺖ، ويباع على شكل قوالب خاصة أسطوانية الشكل بعد ضغطها. ﺣﻮﻝ ﺫﻟﻚ ﻳﻘﻮﻝ ﺃﺑﻮ ﻭﺍﺋﻞ من مدينة إدلب: "أﺳﺘﺨﺪﻡ ﺍﻟﺒﻴﺮﻳﻦ لأنه يمنح ﺩﻓﺌﺎً ﺃﻛﺜﺮ ﻤﻘﺎﺭﻧﺔ بالحطب، ويبلغ سعر ﺍﻟﻄﻦ ﺍﻟﻮﺍﺣﺪ ﻣنه حوالي 80 ﺃﻟﻒ ﻟﻴﺮﺓ ﺳﻮﺭﻳﺔ، وأنا أشتريه ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻌﺼﺮﺓ ﺟﺎﻫﺰﺍً ﻭﻣﺠﻔﻔﺎً". وفي مخيمات النازحين الحدودية يأتي ﺍﻟﺒﺮﺩ والفقر ليزيدا من ﻣﻌﺎﻧﺎة سكانها. عائشة الكردي نزحت من بلدة الهبيط إلى مخيم الكرامة بريف إدلب الشمالي، وهي أرملة ومعيلة لعائلة ﻣﻜﻮﻧﺔ ﻣﻦ سبعة ﺃﺷﺨﺎﺹ. تقول: "ﺃﺳﺘﻌﻤﻞ ﺍﻟﺜﻴﺎﺏ ﺍﻟﻘﺪﻳﻤﺔ وقودا للمدفأة، حيث ﺃﺫﻫﺐ إلى محلات ﺍﻟﺒﺎﻟﺔ وأشتري ﺑﻮﺍﻗﻲ ﺍﻟﺜﻴﺎﺏ ﺍﻟﺘﻲ ﻟﻢ ﻳﺘﻤﻜﻦ ﺍﻟﺒﺎﺋﻊ ﻣﻦ ﺑﻴﻌﻬﺎ وأدفع ألف ليرة سورية ثمناً لكل كيس يكفيني لبضعة أيام". الخمسيني أبو علاء نازح من بلدة كفرومة إلى مخيم بنش يرسل أحفاده لجمع الأشواك والعيدان وأكياس النايلون، وكل ما هو قابل للاحتراق لوضعه في المدفأة. وعن ذلك يقول: "نعاني ﻣﻦ ﻧﻘﺺ في ﻣﻮﺍﺩ ﺍﻟﺘﺪﻓﺌﺔ ولا نحصل ﻋﻠﻰ ﺃﻱ ﺩﻋﻢ ﻟﻤواجهة ﺍﻟﻮﺿﻊ ﺍﻟﺤﺎﻟﻲ رغم وضعنا المأساوي، حيث أن ﺑﻌﺾ ﺍﻟﺨﻴﺎﻡ ﺗﻬﺪﻣﺖ، ﻓﻲ ﺣﻴﻦ ﺃﻥ مياه الأمطار تتسرب الى الكثير من الخيم". عن المخاطر على الصحة الناجمة عن استخدام وقود تدفئة غير آمن، يقول ﺍﻟﻄﺒﻴﺐ محمد العبسي لعين المدينة: "تنتشر في إدلب ﺣﺎﻻﺕ حرﻭﻕ ﻧﺎﺟﻤﺔ ﻋﻦ ﺳﻮﺀ ﺍﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﻭﺳﺎﺋﻞ ﺍﻟﺘﺪﻓﺌﺔ، ﺧﺎﺻﺔ ﺃﺛﻨﺎﺀ ﺑﺪﺍﻳﺔ ﺍﻻﺷﺘﻌﺎﻝ”، ﻣﺒﻴﻨﺎً ﺃﻥ "ﻣﻌﻈﻢ ﺍﻟﺤﺎﻻﺕ ﺍﻟﻮﺍﺭﺩﺓ ﺍﻟﻰ المستشفيات ﺗﻨﺠﻢ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﺤﺮﻭﻗﺎﺕ ﺑﺄﻧﻮﺍﻋﻬﺎ ﺑﺎﻹﺿﺎﻓﺔ ﺇﻟﻰ ﻣﺪﺍﻓﺊ ﺍﻟﺤﻄﺐ، وفي ﺑﻌﺾ ﺍﻟﺤﺎﻻﺕ يتم نقل المصابين بحالة الخطر إلى تركيا لتعذر معالجتهم هنا". ﻭﺃﺿﺎﻑ: "ﺍﻟﻀﺮﺭ في ﻭﺳﺎﺋﻞ ﺍﻟﺘﺪﻓﺌﺔ لا ينحصر ﺑﺨﻄﺮ ﺍﺷﺘﻌﺎﻟﻬﺎ ﻓﻘﻂ، ﺑﻞ ﻳﺘﻌﺪﺍه إلى الإصابة بأمراض صدرية نتيجة ﺍﻟﺮﻭﺍﺋﺢ ﻭﺍﻷﺩﺧﻨﺔ ﺍﻟﻤﻨﺒﻌﺜﺔ ﻣﻦ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﻮﺍﺩ، ﻓﻤﺜﻼً يلاحظ أن بعض أنواع ﺍﻟﻮﻗﻮﺩ ﺍﻟﻤﺴﺘﻌﻤﻞ ﻳﻄﻠﻖ ﺭﺍﺋﺤﺔ ﻛﺮﻳﻬﺔ ﺗﺴﺒﺐ ﺣﺴﺎﺳﻴﺔ ﻟﺪﻯ ﺑﻌﺾ ﺍﻷﺷﺨﺎﺹ ﻭﺨﺎﺻﺔ ﻣﻦ ﻳﻌﺎﻧﻮﻥ ﻣﻦ ﺣﺴﺎﺳﻴﺔ ﺗﺠﺎﻩ ﺍﻟﺮﻭﺍﺋﺢ". ويبين العبسي "أن ﺃﻓﻀﻞ ﺃﻧﻮﺍﻉ ﺍﻟﺘﺪﻓﺌﺔ ﻛﺎﻣﻠﺔ ﺍﻻﺣﺘﺮﺍﻕ ﻫﻮ ﻭﻗﻮﺩ ﺍﻟﺤﻄﺐ، ﻭﺃﻓﻀﻠﻪ ﺣﻄﺐ ﺷﺠﺮ ﺍﻟﺰﻳﺘﻮﻥ ﻷﻧﻪ ﻳﺤﺘﺮﻕ ﺑﺸﻜﻞٍ ﻛﺎﻣﻞ، أما ﺍﻷﻗﻞ ﺟﻮﺩﺓ فهو ﺍﻟﻔﺤﻢ ﻭﺍﻟﺒﻴﺮﻳﻦ ﻭﺍﻟﻔﻀﻼﺕ ﺍﻟﺒﻼﺳﺘﻴﻜﻴﺔ التي تتسبب بانبعاث ﻏﺎﺯ ﺃﻭﻝ ﺃﻭﻛﺴﻴﺪ ﺍﻟﻜﺮﺑﻮﻥ، ﻭﻫﻮ ﻳﺴﺮﻉ ﺍﻻﺧﺘﻨﺎﻕ ﻭﺧﺎﺻﺔ ﻋﻨﺪ ﺍﻟﻤﺴﻨﻴﻦ ﻭﺃﺻﺤﺎﺏ ﺍﻷﻣﺮﺍﺽ التنفسية". ونتيجة الظروف التي فرضتها وقائع الحرب بات من شبه المستحيل الحصول في منطقة إدلب على محروقات التدفئة الأساسية مثل المازوت الذي وصل سعر البرميل منه إلى ﺃﻛﺜﺮ ﻣﻦ 150 ﺩﻭﻻﺭﺍً، لذلك ﺗﻨﻮﻋﺖ ﺧﻴﺎﺭﺍﺕ ﻗﺎﻃﻨﻲ ﺍﻟﺸﻤﺎﻝ ﺍﻟﺴﻮﺭﻱ ﻣﻊ ﻗﺪﻭﻡ ﻣﻮﺳﻢ ﺍﻟﺸﺘﺎﺀ ﺑﻤﺎ ﻳﺨﺺ ﻭﺳﺎﺋﻞ ﺍﻟﺘﺪﻓﺌﺔ، فكل عائلة ﺍﺿﻄﺮت ﻹﻳﺠﺎﺩ البديل المتوفر بالسعر الذي يتناسب مع قدراتها المادية

مدفأة الفستق - بعدسة الكاتب  

]]>
«الأسدية» تحرق أول رئيس للجمهورية السورية http://ayn-almadina.com/details/4970/4970/ar 4970 date2020-01-03 18:37:48 ayn-almadina اعتدنا عقد لقاءات شبه يومية في المقهى الذي يتوسط أحد أعرق شوارع دمشق، المقهى الذي تحوّل اسمه من "قهوة الديريين" إلى "الروضة"، إلى أن راح البعض يطلقون عليه مقهى "المثقفين". جمع المقهى مختلف شرائح وأطياف السوريين منذ عق...
«الأسدية» تحرق أول رئيس للجمهورية السورية

«الأسدية» تحرق أول رئيس للجمهورية السورية

رادار المدينة

اعتدنا عقد لقاءات شبه يومية في المقهى الذي يتوسط أحد أعرق شوارع دمشق، المقهى الذي تحوّل اسمه من "قهوة الديريين" إلى "الروضة"، إلى أن راح البعض يطلقون عليه مقهى "المثقفين". جمع المقهى مختلف شرائح وأطياف السوريين منذ عقود؛ كتّاب وأدباء وفنانين وسياسيين. وليس أجمل من وقع اسم الشارع الذي يحتضنها على السمع ما إن تسأل صديقاً: أين أنت في دمشق؟ فيجيبك: في شارع "العابد". "محمد علي العابد"، الذي أطلق اسمه على الشارع، هو أول من حمل لقب "رئيس الجمهورية" في سوريا، فالذين سبقوه في العهد العثماني أو بداية الانتداب الفرنسي سمّوا رؤساء "الدولة" لعدم وجود دستور يتبنى النظام الجمهوري في سوريا وقتذاك. استطاعت الثورات المندلعة ضد الانتداب الفرنسي منذ دخول "غورو" إلى دمشق؛ كثورة جبل الزاوية وزعيمها هنانو، وثورة ديرالزور بقيادة رمضان شلاش، وجبل العرب "الثورة السورية الكبرى" وقائدها سلطان باشا الأطرش، وغوطة دمشق ورجالاتها الوطنيين من حسن الخراط ومحمد الأشمر، والجولان وثائريها أحمد مريود وأدهم خنجر، استطاعت إرغام فرنسا لتعيد حساباتها تجاه السوريين والخضوع لرغباتهم بتشكيل نظام وطني برلماني ديموقراطي، فغيّرت مندوبها السامي العسكري بآخر مدني وقبلت المفاوضات مع الزعماء الوطنيين المطالبين بإلغاء الانتداب ووحدة سوريا، فتمخّض عن ذلك إجراء انتخابات لجمعية تأسيسية وضعت دستوراً للبلاد عام 1928 وكان يتألف في ذلك الوقت من 115 مادة، أهم بنوده أن سوريا وحدة لا تتجزأ، وأن نظام الحكم فيها جمهوري برلماني. وبالرغم من مماطلة الفرنسيين وتأجيل اجتماع الجمعية التأسيسية المذكورة، استمر نضال السوريين إلى أن تم انتخاب أعضاء المجلس النيابي الذي أعلن النظام الجمهوري 1932، فانتخب محمد علي العابد أول رئيس للجمهورية السورية. خلال سنوات دراستنا الجامعية في منتصف تسعينيات القرن المنصرم، وقبل انتقال لقاءاتنا إلى مقهى الروضة، غالباً ما كنا نرتاد مقاهي حي ساروجة الدمشقي العتيق. وما أن تبدأ شمس الشتاء بالمغيب حتى نتوجه سيراً نحو بيوتنا -مختصرين الطريق- بين منازل الحارات القديمة الموزعة في الحي، والممتدة من وسط "شارع الثورة" وسوق الخجا إلى "شارع 29 أيار- السفراء". وخلال المسير، غالباً ما كنا نمر بمجموعة بيوت دمشقية متهالكة تتوسط الحارات، يطلق أهالي المنطقة على أكبرها "بيت العابد"، وهو الذي ولد فيه الرئيس العابد وقضى طفولته الأولى. البيت في حالة يرثى لها من الاهتراء، إذ كشفت أجزاء عدة من أسقفه وتداعت هياكله، كما ظهرت بعض التشققات في جدرانه، فيما تحولت غرفتان من باحة استقباله إلى مخزن وورشة لتصنيع الأحذية! في الوقت الذي يعتبره أهالي الحي بمثابة قصرٍ لا يقل قيمةً وجمالاً عن قصر العظم الذي يقع "داخل السور"، رغم فارق المساحة التي يصغر بها بيت العابد عن قصر العظم. ولعل أبرز البيوت التي ارتبطت باسم العابد أيضاً هو "قصر ساروجة" الذي يناهز عمره اليوم الثلاثمئة عاماً، منذ أن قام "هولو باشا العابد" جد محمد علي بإنشائه، فكان البيت الذي سكنه الرئيس العابد في فترة ممارسته النشاط السياسي، وحكم منه سوريا مدة ستة أشهر قبل انتقاله. تعرّض ذلك المنزل للحريق ثلاث مرات خلال حكم آل الأسد، ويعتبر أول منزل دمشقي تعرض لحريق سببه "ماس كهربائي" في ثمانينيات القرن الماضي، في سابقة لم تشهدها العاصمة السورية من قبل، كما تعرض لحريق آخر عام 1995 امتد إلى الطابق الثاني من المبنى (السلملك) متأثراً بتطاير لهيب النار المشتعلة في البيت. كما تعرض في عام 2006 لحريق قضى على أحد طوابقه. ويعتبر المنزل أو "النُزل" الذي اشتراه عزت باشا العابد والد محمد علي، في ساحة المرجة، من أهم البيوت التي اقترنت بعائلة العابد. ولعل أبرز ما شهده هذا البناء في كنف عزت باشا ووريثه محمد علي هو عقد المؤتمر السوري العام الأول ضمن صالونه الكبير عام 1919، الذي يعد أول برلمان سوري تحت رئاسة محمد فوزي باشا العظم، فاستأجره رضا باشا الركابي (رئيس أول وزارة في تاريخ سوريا المعاصر زمن الملك فيصل) من العائلة لجعله مقراً للمؤتمر السوري قبل أن يتم إنشاء البرلمان الحالي. أما اليوم، وفي ظل نظام الأسد، يَمْثُل المبنى بهيكله القديم الحجري وبطرازه الإيطالي المشابه لطراز مدينة البندقية، وقد تحول جزء صغير منه إلى فندق من "فنادق المرجة"! بعد أن انتقلت ملكية البيت إلى مديرية الأوقاف، والجزء الأكبر منه بالمزاد العلني لصالح المديرية. فتحولت الغرف في الأدوار العليا إلى مكاتب لمعقبي المعاملات والمترجمين المحلفين والمهندسين والمحاميين، فيما شغلت المحلات التجارية ومطابخ الحلويات الطابق الأرضي وباحة البناء. لم يبقَ اليوم ما يحمل اسم العابد سوى شارع مقهى الروضة، فهل يتمكّن الأسد من انتزاعه من ذاكرة السوريين وإتمام حرق "الجمهورية" الأولى ورئيسها؟ الرئيس الذي شهد يوم تقلّد مهامه في 11 يونيو/ حزيران 1932 رَفْـع العلم ذو النجمات الحمر الثلاث لأول مرة، العلم ذاته الذي شهد الاستقلال الأول، والذي يرفعه الثوار السوريون منذ 9 سنوات؛ وربما سيشهد الاستقلال الثاني من الاحتلال الأسدي  

]]>
شيطانية عارية http://ayn-almadina.com/details/4971/4971/ar 4971 date2020-01-04 07:52:26 ayn-almadina أندريه زوبوف * 28 تشرين الثاني 2019  ترجمة د. علي حافظ الليلة الماضية، تحدث السياسي السوري المعروف البروفيسور محمود الحمزة، عندنا في حزب "حرية الشعب"، عن بلده وعن الحرب الرهيبة، التي تعاني منها سوريا لمدة 9 سنوات. الحرب التي تشا...
شيطانية عارية

شيطانية عارية

ترجمة

أندريه زوبوف *
28 تشرين الثاني 2019 
ترجمة د. علي حافظ

الليلة الماضية، تحدث السياسي السوري المعروف البروفيسور محمود الحمزة، عندنا في حزب "حرية الشعب"، عن بلده وعن الحرب الرهيبة، التي تعاني منها سوريا لمدة 9 سنوات. الحرب التي تشارك فيها روسيا بشكل مباشر... أشعرُ بالخجل بشكل خاص من هذا على بلدي. يقول البروفيسور الحمزة: "لا يوجد شعب في الشرق الأوسط صديق لروسيا مثل السوريين. لقد جلب المبشرون السوريون المسيحية إلى روسيا في القرن العاشر، وتمت ترجمة وقراءة أعمال الآباء السوريين للكنيسة -إفرايم وإسحاق- من قبل العديد من الأتقياء الروس. وفي الخمسينيات من القرن الماضي قامت روسيا ببناء الكثير من المنشآت الصناعية في سوريا، وعلّمت مهندسينا وعسكريينا... سمح بريجنيف للرفيق حافظ الأسد باستعباد هذا الشعب في سبعينيات القرن الماضي، هذا الدموي المحب للسلطة قتل جميع منافسيه تقريبًا، وحول الديمقراطية السورية إلى ديكتاتورية تحت اليافطة الأيديولوجية للاشتراكية العربية لحزب البعث. مثلما سمح لصدام حسين في العراق المجاور، بأن يؤسس نظامًا قاتمًا للمخابرات في بلد عريق ومثقف، ما جعل المواطنين يمزحون بمرارة قائلين للجدران عيون وآذان؛ وهي عيون وآذان الحراس. ورث بشار الأسد والده وديكتاتورية هذه الأسرة منذ نصف قرن. لكن، في عام 2011، ثار شعب سوريا. وكان السبب فظيعًا. ففي مدينة درعا كتب العديد من الصبية في المدرسة: "الأسد ديكتاتور. نريد حرية"! تم نقلهم إلى الفرع المحلي من الكي جي بي (KGB)، وبعد بضعة أيام ألقيت جثثهم المشوهة بآثار التعذيب المروعة -شفرات الكتف محفورة، والأعضاء التناسلية للذكور مقطوعة، والعيون مفقوءة- أمام منازل أهاليهم. أعلنت المخابرات: هكذا سيكون مصير كل من يعارض السلطات؛ انسوا هؤلاء الأطفال وأنجبوا غيرهم موالين للنظام، وإذا فشلتم فسنساعد زوجاتكم". بعد ذلك، خرج مئات الآلاف من المحتجين إلى الشوارع في جميع أنحاء سوريا للمطالبة برحيل الأسد، ومحاكمة ضباط الأمن الساديين، وحل الشرطة السرية، وإجراء انتخابات ديمقراطية.. المظاهرات كانت سلمية؛ وشاركت فيها كل طوائف وشعوب سوريا. ولكن بعد شعور الأسد بأن العرش تحته أخذ يتأرجح، بدأ هو ومخابراته بث الفتنة الطائفية، مثيرًا العلويين، الذين ينحدر منهم الديكتاتور السوري، ضد الغالبية السنية من السوريين، والمسيحيين ضد المسلمين. أخذ القناصة بإطلاق النار على المتظاهرين. ثم ظهرت الدبابات في الشوارع، وسال الدم أنهارًا. ردًا على ذلك، أعلن العديد من ضباط الجيش الخروج عن تبعية الأسد وإنشاء جيش سوري حر. انطلقت الحرب ضد النظام في البلاد. تذكر الأسد فجأة أن العلويين شيعة (وهذا خطأ في الأساس)، فدعا الحرس الثوري الإسلامي من إيران إلى البلاد للمساعدة. بدأ التدخل العسكري. لكن لم يستطع، لا الحرس الإيراني ولا حزب الله اللبناني مقاومة الجيش السوري الحر. هذا الجيش المدعم بكوادر من الضباط حقق انتصارًا ساحقًا على حلفاء الديكتاتور. في صيف عام 2015، تم تحرير البلاد عمليًا، باستثناء اللاذقية ذات الغالبية العلوية.. جرى القتال في شوارع دمشق! وهنا تحول الأسد، وربما أسياده الإيرانيون، إلى بوتين طلبًا للمساعدة. ومنذ 30 أيلول 2015، تقاتل روسيا إلى جانب الأسد في سوريا، ويقوم الدبلوماسيون الروس والصينيون بتجميد جميع قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، التي تسعى إلى إنهاء الحرب. لمدة أربع سنوات، قام الطيران الروسي بأكثر من 90 ألف طلعة قصف جوية. حولت الصواريخ والقنابل الروسية الدولة، التي ازدهرت يومًا ما، إلى أكوام من الأنقاض، وجعلت ثلثي سكانها من اللاجئين (7 ملايين خارج البلاد، و7 ملايين آخرين داخلها). بسبب روسيا، هناك في سوريا كارثة إنسانية لم يسبق لها مثيل في تاريخ البشرية. إن عدد قتلى الحرب بين 700 ألف ومليون شخص، بحيث لا يمكن حتى نطق هذا الرقم دون ارتعاش. ومعظم القتلى والمشوهين هم من المدنيين والأطفال والنساء وكبار السن. كان من الصعب عليّ الاستماع إلى هذه المحاضرة. لقد كره السوريون الآن الروس. إنهم أعداء شرسون لهم.
لكن لماذا انتهى بنا المطاف في سوريا؟ ولماذا ألحقنا بأنفسنا عار القتل وهزيمة الحياة السلمية؟ لماذا تدخلنا في كفاح السوريين من أجل حريتهم، ووقفنا حتى إلى جانب الديكتاتور الدموي؟ لا فوائد من هذا بالنسبة إلى روسيا. النفقات الهائلة فقط، والأضرار الفادحة لسمعة البلد، والخطيئة الرهيبة التي ارتكبت على أرض أجنبية وضد أناس لم يفعلوا أي سوء لروسيا. الفوائد الاقتصادية شبحية وغير ذات أهمية. تصرفات بوتين في سوريا هي شيطانية خالصة، وحسب مبدأ: الشر من أجل الشر. وكان عزائي الوحيد أن حزبنا قد عارض عدوان بوتين بحزم منذ البداية، واعتمد عدة قرارات تدين تصرفات نظامه المتعلقة بسوريا. لم نتمكن من فعل شيء آخر. لو فزنا في الانتخابات لفعلنا المزيد. لكنكم تعرفون ماهية الانتخابات التي تجرى عندنا! والآن يقوم بوتين بنشر أعمال "الشر من أجل الشر" الرهيبة هذه في ليبيا وجمهورية إفريقيا الوسطى وموزمبيق. شوهدت آثار يد خدماته الخاصة في تشيلي وكتالونيا، وهي واضحة للعيان في فنزويلا، وتتدخل في الانتخابات والاستفتاءات حول العالم. يجب أن أقول بمرارة: بوتين في العلاقات الدولية هو كومنترن اليوم [الأممية الشيوعية]. لكن الكومنترن، الذي تخلص من مظهره الأيديولوجي -وكان حتى ذلك الحين مجرد غطاء لشهوة السلطة والتمتع بخلق الشر- تحدث بكل صراحة مثل شيطانية عارية، الغرض منها، إذا استخدمنا كلمات ألكسندر ياكوفليف، هو "إنتاج الجثة"!  


* أندريه بوريسوفيتش زوبوف: كاتب ومؤرخ ومستشرق وباحث ديني وعالم سياسي روسي، يحمل شهادة الدكتوراه في العلوم التاريخية. نائب رئيس حزب "حرية الشعب" المعارض في روسيا منذ كانون الاول 2016. (من صفحته الشخصية على فسيبوك
 

]]>
«إعادة الإعمار» والتطهير الاجتماعي في سوريا http://ayn-almadina.com/details/4972/4972/ar 4972 date2020-01-05 07:52:47 ayn-almadina مجلة  New Internationalist 26 تشرين الثاني ترجمة مأمون حلبي عرض نظام الأسد خطة تفصيلية لإعادة إعمار سوريا. لكن، وفقاً للمهندس المعماري هاني فاكهاني وزميلته سوسن أبو زين الدين، الذيّن التقاهما أليسيو بيرون، تسعى إعادة الإعمار هذه لتحقيق عملي...
«إعادة الإعمار» والتطهير الاجتماعي في سوريا

«إعادة الإعمار» والتطهير الاجتماعي في سوريا

ترجمة

مجلة  New Internationalist
26 تشرين الثاني
ترجمة مأمون حلبي
عرض نظام الأسد خطة تفصيلية لإعادة إعمار سوريا. لكن، وفقاً للمهندس المعماري هاني فاكهاني وزميلته سوسن أبو زين الدين، الذيّن التقاهما أليسيو بيرون، تسعى إعادة الإعمار هذه لتحقيق عملية تطهير اجتماعي. هاني وسوسن، اللذان يقطنان حالياً في لندن، من مؤسسي "سكن"، وهو مشروع اجتماعي من أجل تقديم سكن رخيص في سوريا. في السنوات الأولى للثورة السورية وصفا نفسيهما بالنشطاء. أليسيو: لقد كتبتما مؤخراً أن الحكومة السورية قد شرعت بوضع يدها على أحياء سكنية في كثير من مناطق البلاد. هل يعني هذا أن إعادة إعمار سوريا ما بعد الحرب قد بدأت قبل أن تنتهي الحرب؟ هاني: تماماً. نحن لا نعرف كم سنة ستدوم الحرب، لكن النظام قد وضع إطاراً لإعادة الإعمار. فالأسد يحاول أن يُنمّي الانطباع بأنه يُعاد إعمار سوريا لأن ذلك علامة على النصر؛ عبر إعادة الإعمار يُعلنون للعالم أن الحرب قد انتهت. أليسيو: لقد قلتما أن خراب سوريا يمكن أن يُفهم فقط من خلال النظر إلى التدمير وإعادة الإعمار كوجه واحد. لماذا؟ سوسن: لأنه عند الحديث عن خراب سوريا، يُفكّر الناس عادة بالمباني المدمرة، لكن هناك ما هو أكثر من هذا بكثير. فإن تفحصنا المناطق التي دُمِّرت، سنجد أن غالبيتها الساحقة مناطق سابقة للمعارضة. في البداية، دُمِّرت هذه المناطق أثناء الحرب، وهُجِّر سُكانها قسرياً، والآن تضمن إعادة الإعمار عدم عودة السكان لأن الدولة تبني بيوتاً لا يستطيعون دفع تكاليفها هناك؛ نسمي هذه العملية "إبادة عمران" سوريا (urbicide). الجينوسايد هي عملية القتل العمد لجماعة ذات هوية معينة. الأربِيسايد هو فعل هذا الأمر بحق المدينة كعمران. في سوريا، يستخدم النظام تخطيط المدن كسلاح يهدف لهندسة التغيير الديموغرافي و"تطهير" جماعات معينة. هاني: التدمير وإعادة الأعمار يؤديان إلى نفس الهدف السياسي. لقد كان التدمير بداية أداة عسكرية استُخدِمت لطرد جماعات بعينها لأنها كانت مصدر تهديد للنظام. وتأتي الآن عملية بناء جديدة لترسّخ هذا التهديد. آليسيو: أي مناطق وجماعات هي المستهدفة؟ هاني: بالدرجة الأولى مناطق المعارضة والعشوائيات. العشوائيات في سوريا ليست أزقة متداعية. فهي مباني إسمنتية مبنية على أراضي عامة، أو أراضي خاصة غير مرخصة؛ هذه العشوائيات هي مأوى لـ 50 % من السوريين. سوسن: وهذه المناطق المستهدفة تمتد أيضاً عبر خطوط طائفية وهويات دينية. في حمص، تم تسوية أحياء المعارضة السُنيّة بالأرض، بينما تم الإبقاء بدرجة كبيرة على الأحياء العلوية. لماذا؟ لأنهم كانوا موالين للنظام. لكن من المضلل جعل الأمور أسود وأبيض إلى الحد الأقصى، فلم يكن ثمة وجود لمنطقة موالية أو معارضة للنظام بنسبة 100%، وكان النظام يحاول حتى قبل الحرب أن يتخلص من العشوائيات. لكن، قطعاً، ثمة استراتيجية خلف ذلك. أليسيو: كيف يمكن لهذه الاستراتيجية أن تُثمر بالنسبة إلى النظام؟ هل بالإمكان أن تُعطوا مثالاً؟ هاني: حتى الآن، مشروع "ماروتا سيتي" في منطقة بساتين الرازي في دمشق هو الوحيد في مرحلة البناء، وهو يكشف عن مخططات الحكومة بالنسبة إلى إعادة الإعمار. وقد تم تخصيص مناطق أخرى لإعادة إعمارها، لكن عملية البناء لم تبدأ بعد. كانت بساتين الرازي منطقة تقطنها الطبقات الدنيا، وارتبطت بدرجة كبيرة بالاضطرابات الأولى للثورة، لكنها أبداً لم تسقط بشكل كلي في يد المعارضة. لذا لم تُدمّر أثناء الحرب، إنما تم هدمها لاحقاً. ماروتا سيتي مشروع ضخم، فهو يغطي مساحة حوالي 215 هكتار، وهذا ما يعادل مساحة 250 ملعب كرة قدم. وسيضم في جنباته 232 برجاً زجاجياً بارتفاعات شاهقة، وهذا ليس بالمشهد المألوف في سوريا، وسيحتوي المشروع على مزيج من الخدمات الحكومية والسكن المترف. تبدو ماروتا سيتي مثل أي مدينة حديثة تفتقر للهوية. سوسن: أراد الأسد أن يجذب الرساميل الخاصة. إن تم التركيز على السكن الاجتماعي لأكبر قدر ممكن من الناس -كما هو منتظر من مشاريع ما بعد النزاعات- فلن يتم جذب أي أموال خاصة. فالمستثمرون العقاريون يريدون أن يلمحوا فرصة لجني الأموال؛ من هنا تتولد ناطحات السحاب الحديثة. آليسيو: كيف أُمكن طرد السكان وتركهم خارج مناطقهم؟ سوسن: عشرات الآلاف الذين كانوا فيما مضى يعيشون هناك هم مُبعدون ومتفرقون، وستضمن الأسعار الحالية عدم عودتهم. كان يعيش هناك قرابة 60 ألف شخص، معظمهم من أبناء الطبقات الدنيا، لكن تكلفة المتر المربع الواحد من البيوت الجديدة ستصل لقرابة 6000 دولار. في البداية، أصدر النظام إشعاراً يطلب من الجميع مغادرة ممتلكاتهم العقارية. أُعطي الجميع شهراً واحداً -ثم تم تمديد المهلة إلى سنة واحدة- للمطالبة بحقوق الملكية، ووعدت السلطات أنه سيتم تعويض الجميع. الناس الذين كان لديهم حقوقاً رسمية تلقوا أسهماً تعويضية في المشروع وسكناً بديلاً، وعُرِض على أولئك الذين لم يكن لديهم حقوقاً رسمية بدل إيجار تعويضي لمدة سنتين. واعتبر قسم آخر من السكان غير مؤهلين للتعويض وفقدوا حقوق الملكية. لكن حتى بالنسبة إلى الناس المحظوظين الذين تلقوا أسهماً وسكناً بديلاً، كان من المفترض أن تُسلّم البيوت الجديدة عام 2016. نحن الآن في 2019 ولم يتم بناء أي مسكن بديل حتى الآن، والسلطات حتى لم تستقر على الموقع المخصص للسكن البديل. وانتهى الأمر بالكثير من الناس إلى بيع أسهمهم ليتمكنوا من دفع إيجارات بيوتهم ريثما يتم تجهيز السكن البديل. في غضون ذلك، وقّعت الحكومة عقوداً بقيمة ملايين الدولارات مع المستثمرين. هاني: من المهم أن نتذكر أننا وسط نزاع. فكثير من الناس قد اختفوا، أو هم معتقلون أو مهجرون، وكثيرون هم لاجئون خارج البلاد. القلق على السلامة الشخصية يتملك الكثير من الناس، الذين يخشون الإفصاح أنهم كانوا يعيشون في مناطق المعارضة وأنهم لاجئون خارج البلاد. وعندما تُعطي شهراً واحداً ليطالبوا بممتلكاتهم العقارية، فإنك فعلياً تحاول نزع ممتلكاتهم منهم باسم القانون، أليس كذلك؟ أليسيو: متى بدأت هذه العملية وإلى أين وصلت؟ سوسن: كانت الخطوة الأولى هي المرسوم 66، الذي يتيح هدم وإعادة تطوير العشوائيات السكنية وتقديم الأساس القانوني لإعادة الإعمار. صدر هذا المرسوم عام 2012. إن وضعنا الأمور في نطاقها الصحيح نلاحظ أن الاضطرابات السياسية قد بدأت عام 2011، أي أن المرسوم صدر بعد سنة واحدة من اندلاع الثورة. تفكير النظام الاستراتيجي سبق بمرحلة زمنية كبيرة كل الخراب الذي كان سيحدث. هاني: من ناحية أخرى، تم إقرار القانون رقم 10 -الذي يوسع نطاق المرسوم 66- في أواخر عام 2018، والأمور تتحرك ببطء. تم تخصيص عدد قليل جداً من المناطق ضمن عملية إعادة الإعمار، لكن يجدر الملاحظة أن هذه المناطق كبيرة جداً. فقط في دمشق، تم تخصيص ما يقرب من 13 % من المدينة لإعادة الإعمار آليسيو: ما الذي يريد النظام تحقيقه؟ هاني: يقول النظام أن خطته هي حل لمناطق السكن العشوائي. لكن في عام 2017 قال بشار الأسد نفسه عن الحرب: "خسرنا خيرة شبابنا وبنانا التحتية، لكننا كسبنا مجتمعاً أكثر عافية وتجانساً". بالنسبة إلى النظام، فإن هدف الحرب هو مجتمع متجانس موالٍ للأسد، يسوده رأي سياسي واحد فقط. ومن أجل هذا الهدف يمكن أن يستخدموا كل الوسائل التي بحوزتهم: إحدى هذه الوسائل البيئة المدينية. لنتأمل التدمير الحاصل بين 2012 و2015؛ استهدف النظام المستشفيات والمساكن والمخابز، واستخدم أسلحة غير دقيقة كالبراميل المتفجرة. حاصر المدن ليقطع الطعام والإمدادات الصحية... كل شيء ليجعل الحياة مستحيلة في تلك المناطق. السبب الوحيد الذي يمكن أن نفكر فيه هو أن النظام كان يحاول إفراغ تلك الأماكن، وإجبار الناس على الهرب. لولا ذلك، ما كان النظام ليستهدف المستشفيات والمخابز، وما كان له أن يستخدم البراميل المتفجرة. كانت توجد حتى تقارير تفيد أن النظام في بعض المناطق قام بهدم متعمد لمئات من البيوت في مناطق المعارضة بعد أن يُسيطر على مدينة من المدن. عند نقطة كهذه لا يمكن للمرء إلا أن يقول أن الأمر ليس عشوائياً. سوسن: تجري عملية إعادة الأعمار الآن بشكل انتقائي. يرتبط الأمر بمن الذي يجب أن يُعاقب ومن الذي يجب أن يُكافئ، فعملية إعادة الإعمار لا تنفع الفقراء والمستضعفين والضحايا، إنها تصب في مصلحة المستثمرين من محاسيب النظام، الذين يتربحون من عمليات إعادة التطوير ذات الطابع النيوليبرالي

]]>
جحيم إدلب الزاحف .. المدنيون على جدار الإعدام http://ayn-almadina.com/details/4974/4974/ar 4974 date2020-02-12 15:52:17 ayn-almadina تزحف المقتلة مجدداً في سوريا، لتنشر صور المدن الخاوية والمدمرة، وأجساد المدنيين الممزقة، وطوابير هائلة من النازحين، يقصدون جغرافيا الأمان التي تضيق بهم مرة بعد مرة، فيما تطاردهم مذبحة لم تتوقف منذ أطلق بشار سعار الموت المعمم في سوريا، لإنقاذ طغيانه ا...
جحيم إدلب الزاحف .. المدنيون على جدار الإعدام

جحيم إدلب الزاحف .. المدنيون على جدار الإعدام

افتتاحية العدد

تزحف المقتلة مجدداً في سوريا، لتنشر صور المدن الخاوية والمدمرة، وأجساد المدنيين الممزقة، وطوابير هائلة من النازحين، يقصدون جغرافيا الأمان التي تضيق بهم مرة بعد مرة، فيما تطاردهم مذبحة لم تتوقف منذ أطلق بشار سعار الموت المعمم في سوريا، لإنقاذ طغيانه السلالي من رعب الحرية، الذي لا يواجه الطغاة الإرهابيون تهديداً يوازيه وجودياً. وبينما تتحدث أرقام الأمم المتحدة عن 700 ألف نازح؛ في ما تعتبرها "أسوأ" موجة نزوح منفردة منذ 2011، فإنّ الرقم سيتضاعف حتماً إلى أربعة أمثاله إن واصل القصف البساطي الروسي -المنفلت عن كل قيمة إنسانية- تمهيد الطرق لزحف مليشيات القتلة والمرتزقة الإرهابيين في إدلب وريف حلب على أنقاض المدن والحياة. لا يعبأ الأسد بحجم خسائره، ولا يرى ضحاياه إلاّ جثثاً تقطع طريقه نحو "أبدية" موهومة، ورثها عن أوهام أبيه البتراء، التي تركت سوريا خارج الزمان السياسي والاقتصادي العالمي. ولا يرى جلاوزته سوى آفاق محملة بتوقعات التعفيش، ومدنيين يتاجرون باعتقالهم وتعذيبهم، وحين لم يجدوهم نبشوا قبور موتاهم، واحتفلوا بانتصار سادي مقزّز على رميم أحبتهم، بل ونشروا "مفاخرهم" متحدين كل ما عرفته البشرية عن أي معنى للأخلاق أو حتى لسوء الأخلاق. تتجاوز مأساة إدلب صيغة المجازر المعتادة في سوريا، فباتت تعتمد على حشر المدنيين بين الموت المحقق بالبراميل وبين النزوح نحو نهايات مجهولة، ونحو اكتظاظ خانق يبدو أشبه بدفع ثلاثة ملايين إنسان نحو جدار إعدام في موجهة فرقة قتلة لا تقيم وزناً لأي قانون. هناك من يمتهن المقاومة بالحياة -واليأس أحياناً- في مواجهة خذلان دولي بات اعتياداً إزاء المقتلة السورية. وستجدون في هذا العدد من "عين المدينة" بعض هوامش هذا الواقع المرير في إدلب، وأيضاً بعض وجوه أثره العميق في حياة الناس. ومع أن الحديث عن ملايين النازحين، فإن لكل واحد منهم تجربته الذاتية. وبينما ينخرط الكبار في استخدام العمل حتى على خطوط الجبهات للنسيان، فإن الأطفال يلوذون بألعابهم، ما لم تكن قوة عملهم هي الحد الفارق بين جوع وشبع ذويهم. لكن هذا ليس خياراً أحادياً ونهائياً، إذ ثمة ما يجعل المقاومة ضرورة للتشبث بالحياة، من أجل فرصة ستحين يوماً -وحتماً- لإعادة جدولة الحساب، ومحاسبة المجرمين، وإحياء أنقاض المدن السوري، وإطفاء الجحيم بالحرية.  

]]>
إدلب.. هوامش الجحيم.. رحلة التهجير الأخيرة.. طلوع الروح أسهل http://ayn-almadina.com/details/4975/4975/ar 4975 date2020-02-13 16:58:33 ayn-almadina إنه اليوم الأخير لنا في البلدة. هذا هو الشعور السائد وراء الحديث الذي كان يدور بيننا بالقرب من المدفأة؛ كنا بضع أصدقاء بقينا لفترة تقارب الشهر نعيش في منزلي الواقع في المنطقة الجبلية من بلدة حاس في ريف إدلب الجنوبي، وذلك حين دخلت البلدة في تصنيف...
إدلب.. هوامش الجحيم.. رحلة التهجير الأخيرة.. طلوع الروح أسهل

إدلب.. هوامش الجحيم.. رحلة التهجير الأخيرة.. طلوع الروح أسهل

ملف

إنه اليوم الأخير لنا في البلدة. هذا هو الشعور السائد وراء الحديث الذي كان يدور بيننا بالقرب من المدفأة؛ كنا بضع أصدقاء بقينا لفترة تقارب الشهر نعيش في منزلي الواقع في المنطقة الجبلية من بلدة حاس في ريف إدلب الجنوبي، وذلك حين دخلت البلدة في تصنيف "المناطق الساخنة" منذ أن صارت تتعرض لقصف مكثف من طائرات روسيا والنظام وقذائفه المدفعية. كانت البلدة وقتها أشبه بمدينة أشباح: ظلام دامس وشوارع خاوية من السكان، أكبال كهربائية مقطعة، سيارات تحمل أثاث المنازل ليلاً، أصوات قذائف تسقط من كل الجوانب، وفي الخلفية صوت المطر الذي يهطل باستمرار، مذكراً أن المنطقة تتعرض لمنخفض جوي، ثم دخان مدافئ مئة شاب تقريباً تبقوا من سكان البلدة. عاش في منزلي تلك الفترة سبعة أصدقاء سرعان ما تقاسموا العمل المنزلي، من التنظيف إلى طهي الطعام ووضع الوقود في المدفأة.. إلى المهمة الأصعب في تأمين الحاجيات، وقد كانت تضطرنا هذه المهمة إلى السير مسافة تزيد على 11 كم، لذلك كنا نشتري بعد كل مسير ما يلزمنا لمدة أسبوع. أما لتأمين الكهرباء فقد كنا نستعمل ألواح الطاقة الكهربائية ومولدة احتياطية من أجل ضمان وجودها على مدار الساعة. بدأنا خلال جلسة "اليوم الأخير" بالتفكير في خطط نقل أثاث المنازل على وجه السرعة، أو ما تبقى منها. في استطرادات المتحادثين، كان الحديث يصل إلى رحلات البحث عن الفطر في الأراضي الجبلية، أو التجهيز لحفلة شواء على التلال عند تفتح زهر الربيع. بعد كل دوامات الذكريات، بدأ البعض بالاتصال بصاحب سيارة نقل عن طريق الواتساب عدة مرات بسبب ضعف الأنترنت، ثم المفاصلة على السعر الذي وضعه صاحب السيارة لنقل أثاث البيت، هو 85 ألف ليرة سورية (85 دولار تقريبا)، في حين أن مثل هذا الطلب قبل أسبوع كان ب 35 دولاراً. بدأ صديقي يتأفف من الاستغلال وراح يجرب الاتصال برقم آخر، وغيره من الموجودين يحاول إقناع أخيه بجلب سيارته لنقل منزله، وثالث أطلق لسانه في أصحاب السيارات بسبب رفضهم المجيء.  بعدها بدأنا من منزلي بتفكيك النوافذ والأبواب والغرف الخشبية ثم جمع الأغطية. في هذا الوقت كانت أكثر من 100 عائلة تقوم بتفكيك منازلها لنقلها إلى المناطق الشمالية قريباً من الحدود التركية، فالنظام لم يعد يبعد أكثر من 10 كم من البلدة. أثناء العمل وفي الساعة 2 ليلاً بدأت القذائف تسقط بشكل مكثف على البلدة، خصوصاً الأطراف الشمالية الجبلية حيث أقيم. لم يترك أحد عمله مع اقتراب القذائف منا، لا أحد يبالي.. لقد أصبح الأمر اعتيادياً، الجميع يتابع دون الالتفات لسقوط القذائف أو حتى مجرد السؤال عنها. طلب أحد الأصدقاء جلسة استراحة لمدة ربع ساعة، في حين قام أحدهم بتشغيل أغنية رقص شعبي.. دب الحماس فيهم، وقاموا إلى الدبكة. أحدهم قام بتشغيل "بافلات" لتضخيم الصوت، ثم بدأنا بالتصفيق لتشجيعهم، فيما يتردد صوت الجار القريب المتبقي في الحي وهو يصيح: "هدول صاروا مجانين!!". وصلت سيارة النقل، وبدأنا بتسريع العمل خشية طلوع الشمس، إذ أن طائرات الاستطلاع تخرج منذ بزوغ الشمس لترصد السيارات النازحة من أجل إعطاء هدف للطائرات الروسية لقصفها، وقد فعلت ذلك في الأيام السابقة ونفذت القصف في أكثر من 4 مواقع مأهولة في البلدة وحدها. سلكنا الطريق الجبلي الوعر في طريقنا باتجاه جنديرس في ريف عفرين، لأن الطريق الدولي مرصود من رشاشات الطائرات الحربية، وقد قتلت وجرحت الطائرات الروسية برصاص الرشاشات عشرات النازحين من منطقة معرة النعمان وسراقب أثناء استهدافهم بشكل مباشر على الطريق الدولي. حين وصلنا إلى "القسم الآمن" من الطريق الدولي، واجهتنا مئات السيارات تسير خلف بعضها البعض، جميعها تحمل الأثاث، بعضها ذاهب نحو المجهول. كان المشهد أكثر عبثية ورعباً من القصف ذاته، تتراكم فيه الصور بترتيب يزيد الثقل على الروح: هنا عائلة تنزل لتثبيت حملها بعد سقوط قسم منه بسبب وعورة الطريق، وهناك سيارات متعطلة على جانب الطريق، وأخرى عالقة في زحمة السير، وعلى أطراف الطرقات شباب خرجوا بمبادرات شعبية أو مع منظمات، يوزعون الخبز والأطعمة والبسكويت والعصير للمنتظرين في ذلك الحشد، الذي وصلت ذروة اكتظاظه في المنطقة الواقعة بين مدينة معرة مصرين وبلدة حزانو على الأوتوستراد الدولي، حيث يضيق الشارع ويحتجز خلفه آلاف السيارات التي تنتظر المرور. أغلب السيارات التي كانت تنقل النازحين من نوع الشاحنات أو سيارات النقل الكبيرة، لكونها تستوعب جميع أثاث المنزل دفعة واحدة، يجلس فيها الأب والأم والنساء في "الكبين" الأمامي، فيما يتركون الأطفال والشبان في صندوق السيارة المكشوف المحمل بالأثاث. وبالطبع هناك من ينتظر في ذلك الحشد على دراجته النارية التي نزح بها، أو في سيارات صغيرة خاصة. قرب مدينة إدلب، توقفنا عند محطة لبيع القهوة، وهناك صادفت عجوزاً أصم من معرة النعمان برفقة زوجة ضريرة، لم ينزح معهما (حقيقة وليس مجازاً) غير ثيابهما الممزوجة بالطين والماء، وعكازين يتكئان عليهما. عرفت عمريهما منهما، العجوز عمره 75 عاماً وزوجته 67 عاماً. سألت الزوجة: من وين أنتو يا خالتي؟.. ليش هيك صاير فيكم؟.. بصوتها المتهدج ردت: والله يا ابني نحن من المعرة طلعنا بثيابنا ومالنا غير الله، مقطوعين من شجرة أنا و هالختيار، وقالولنا رح يجي الجيش ويذبح العالم، قام طالعتنا سيارة وحطتنا هون. صمتت هنا قليلاً ثم تابعت: "الله يفرجها عن قريب، ما في أقسى من الواحد يطلع من بيته. طلوع الروح أسهل يا ابني". كلماتها كبلتني. لم أعد أستطيع المتابعة في طريقي، تركت محتويات منزلي في السيارة تحت المطر، ووقفت إلى جانبهما أستشعر خروج الروح بصمت، فكثافة المشاهد التي مررت بها في الطريق، ومعرفة وجهتي إلى بيت مؤقت في جنديرس في عفرين، لم تتح لي تصور الكارثة.. مرت دقائق حائرة جاءت بعدها سيارة لإحدى المنظمات الإنسانية لتقلهما إلى مأوى خاص في منطقة سرمدا، حيث تم تأمين غرفة لهما. غمرتني السعادة كما لو أنهما أهلي، أو أن تلك النهاية أعفتني من الوقوف على الكارثة التي تجسدت فيهما!. تابعنا سيرنا باتجاه الشمال بالقرب من الحدود التركية، هناك كانت السيارات بين الأراضي الزراعية تنتظر تأمين مأوى، إلى جانبها عائلات تحاول بناء خيام عشوائية بين أشجار الزيتون. كانت الوجوه شاحبة والتيه سمة الجميع، وكأنهم حقاَ أرواح تحاول أن تجد أجساداً جديدة تسكنها.. حتى لو كانت أجساداَ من العراء  

]]>
إدلب.. هوامش الجحيم.. تبعية «حكومة الإنقاذ» في إدلب ووعودها المستمرة http://ayn-almadina.com/details/4976/4976/ar 4976 date2020-02-14 11:56:55 ayn-almadina أعلنت "حكومة الإنقاذ" الذراع المدني لهيئة تحرير الشام في محافظة إدلب شمال غرب سوريا، عن تشكيل حكومة جديدة، برئاسة على كده، في منتصف كانون الأول، والتقى كده فور تسلمه رئاسة الحكومة مجلس الشورى في الحكومة لمناقشة أعمال الحكومة بالإضافة إلى اق...
إدلب.. هوامش الجحيم.. تبعية «حكومة الإنقاذ» في إدلب ووعودها المستمرة

إدلب.. هوامش الجحيم.. تبعية «حكومة الإنقاذ» في إدلب ووعودها المستمرة

ملف

أعلنت "حكومة الإنقاذ" الذراع المدني لهيئة تحرير الشام في محافظة إدلب شمال غرب سوريا، عن تشكيل حكومة جديدة، برئاسة على كده، في منتصف كانون الأول، والتقى كده فور تسلمه رئاسة الحكومة مجلس الشورى في الحكومة لمناقشة أعمال الحكومة بالإضافة إلى اقتراح المرشحين لمجلس الوزارة. منح مجلس الشورى العام علي كده الثقة لرئاسة مجلس وزراء حكومة الإنقاذ في دورتها الثالثة منتصف تشرين الثاني، بعد استقالة الحكومة السابقة برئاسة فواز هلال، التي تشكلت في تشرين الثاني 2018، خلفاً لرئيس الحكومة الأول محمد الشيخ، في تشرين الثاني 2017. ونشرت حكومة الإنقاذ على معرفاتها الرسمية في السادس عشر من كانون الأول ـ ديسمبر الجاري، الحقائب الوزارية التي صادق عليها مجلس الشورى والتي منحها الثقة في دورتها الثالثة، وذلك خلال جلسة أجراها المرشحون الجدد ورئيس الحكومة مع مجلس الشورى العام. حيثُ عُين محمد طه الأحمد وزيرًا للزراعة، وأيمن إسماعيل جبس وزيرًا للصحة، وأنس سليمان منصور وزيرًا للعدل، وإبراهيم محمد شاشو وزيرًا للأوقاف والدعوة والإرشاد، وعادل حديدي وزيرًا للتربية والتعليم، وأحمد محمد لطوف وزيرًا للداخلية، وباسل عبد العزيز وزيرًا للاقتصاد. مصدر مقرب من هيئة تحرير الشام رفض الكشف عن اسمه قال لـعين المدينة: "إن قيادة تحرير الشام هي الفاعل الرئيس في اختيار الوجوه الجديدة. والشخصيات التي تدير الحكومة الثالثة الآن، تنقسم إلى نوعين: الأول محسوب على تحرير الشام ضمن قيادتها، وهم الجزء الأكبر، بينما الثانية من شخصيات مستقلة لكنها لا ترفض تحرير الشام وإنما تؤيد أفعالها ولا يمكنها الخروج عنها". وأضاف المصدر: "الحكومة تعمل على تدوير نفسها، هذا ما ظهر في عمل غالبية الوزراء السابق، ولا تسمح بدخول شخصيات غير متماشية مع آرائها". وقال أحد الصحافيين المتابعين لسياسات الهيئة في إدلب، لـعين المدينة: "هيئة تحرير الشام لم تنجح في تشكيل حكومة مستقلة عن عملها العسكري، وحتى حكومة الإنقاذ لا تستطيع تصور نفسها للحظة واحدة خارج هيئة تحرير الشام، لذلك فهي تمثل بمعنى دقيق أهداف الهيئة مهما حاولت الظهور بالشكل المدني". وأضاف: "انعدمت الثقة بين حكومة الإنقاذ والمدنيين، لأنها لم توفر الحد الأدنى من الخدمات، التي يجب أن تقدمها أي حكومة. ومنذ تشكيلها، ينظر المدنيون إليها كأداة مدنية تتحكم بها تحرير الشام". وأوضح: "تحاول حكومة الإنقاذ تبرير عملها في تقديم الخدمات للمدنيين، لكنها في الحقيقة بحدودها الدنيا، وهي الآن غير قادرة على الاستمرار طالما أنها لم تحقق أياً من وظائف الحكومة". وتشهد محافظة إدلب غليان شعبي رافض لوجود حكومة الإنقاذ التابعة لتحرير الشام، منذ تشكيلها في عام 2017 نتيجة فرضها الكثير من الضرائب والإتاوات على السكان المحليين بالإضافة للقوانين، دون تقديم الخدمات التي يجب أن تقدمها الحكومة بمعناها الدقيق، وخاصة أنها تتحكم بمختلف الحواجز والمعابر للمنطقة. وتوجه موارد حكومة الإنقاذ للدعم العسكري لهيئة تحرير الشام دون توفيرها لتغطية الخدمات للسكان. وكانت قد خرجت تظاهرات عدة في مناطق مختلفة من الشمال الغربي السوري قبل الهجمة العسكرية لقوات النظام وروسيا على المنطقة، طالب المتظاهرون فيها برحيل حكومة الإنقاذ وهيئة تحرير الشام والافراج عن الناشطين المعتقلين لديها. أحمد الحسين شاب سوري من مدينة معرة النعمان قال خلال حديثه لـعين المدينة: "حكومة الإنقاذ غير جادة في عملها وهي لا ترقى إلى مستوى الحكومة لأنها لا تقدم للشعب أية خدمات"، وأضاف: "لا ثقة لدى المدنيين بحكومة الإنقاذ، وخاصة مع تدهور الوضع الأمني في المنطقة، دون أخذ التدابير اللازمة بعين الاعتبار". وعلق على تشكيل الحكومة قائلاً: "إن الحكومة تعيد ترتيب نفسها من جديد، لكن لا تأخذ الأوضاع التي وصل لها السكان بعين الاعتبار، ولم تقدم المساعدة الفعلية لهم إلى الآن، على الرغم مما يحصل من مآسي". ويرى الحسين أن حكومة تحرير الشام ساهمت في توقف عمل العديد من المنظمات الإنسانية في المناطق المحررة، ولجوئها لفرض ضرائب على المزارعين، مما أفقد ثقة المدنيين بها. وخلال الخطاب الختامي لاجتماع حكومة علي كده بمجلس الشورى، تعهد كده بالوصول إلى "وطن بلا خيمة" عبر العمل على حل مشكلة النزوح والمخيمات، بالإضافة إلى دفع عجلة التعليم العالي وتعزيز دور المجتمع المحلي عبر تطوير وتنظيم عمل المجالس المحلية بما يحسن الواقع الخدمي والمعيشي للمواطنين وتقديم التسهيلات لذلك. كذلك ألقى الوزراء في الحكومة الجديدة خلال الاجتماع خطابات تطرح التسويف لا أكثر، حسب ما أشارت إليه الناشطة السورية من ريف حماة يافا الحموي خلال حديثها لـعين المدينة: "لا أتوقع أن تقوم حكومة الإنقاذ بأي شيء مخالف لسياسة الهيئة في إدارة المنطقة، ستبقى تنفذ أجنداتها بعيداً عما يحتاجه الناس". وأضافت متسائلة: "أية ثقة لدى المدنيين وهم يموتون قصفاً وجوعاً وبرداً بعدما هجروا من منازلهم"، وأكدت أن الحكومة لم تقدم شيء للسكان سوى رفع أسعار الخبز والمحروقات وفرض الإتاوات، وغيابها عن مساعدة الناس. وتحدث المهندس عبد الكريم عكيدي الذي ينحدر من محافظة حلب، لعين المدينة قائلاً: "تتعاقب الشخصيات في حكومة الإنقاذ على المنصب ولكنها لا تتغير فعلياً، ستعود لاحقاً إلى سياستها السلطوية ذاتها، ولا يمكن أن تمثل أو تخدم المدنيين طالما تمثل واجهة عسكرية لا مدنية". وكانت قيادة الهيئة قد عملت على تشكيل كيان مدني خاص بها في مناطق سيطرتها في إدلب وأرياف المحافظات المحيطة، وذلك بعد تشكيل "المؤتمر السوري العام" في الربع الأخير من 2017، والذي انبثقت عنه حكومة الإنقاذ السورية في تشرين الثاني من العام ذاته  

]]>
إدلب.. هوامش الجحيم.. بين نزوحين وألمين http://ayn-almadina.com/details/4977/4977/ar 4977 date2020-02-15 20:32:18 ayn-almadina "ما توخذيش كل الأغراض يا أم أحمد؛ خذي الشغلات المهمة.. يلا يابا يا حبيبي امشو قدامي، كلها يومين وبنرجع يا أم أحمد !!" بهذا الكلمات كان أبو أحمد يواسي زوجته وأطفاله وهم يخرجون من منزلهم تحت سطوة الاحتلال الإسرائيلي كما جسدتها إحدى مشاهد مسلس...
إدلب.. هوامش الجحيم.. بين نزوحين وألمين

إدلب.. هوامش الجحيم.. بين نزوحين وألمين

ملف

"ما توخذيش كل الأغراض يا أم أحمد؛ خذي الشغلات المهمة.. يلا يابا يا حبيبي امشو قدامي، كلها يومين وبنرجع يا أم أحمد !!" بهذا الكلمات كان أبو أحمد يواسي زوجته وأطفاله وهم يخرجون من منزلهم تحت سطوة الاحتلال الإسرائيلي كما جسدتها إحدى مشاهد مسلسل "التغريبة الفلسطينية". لكن شعار النزوح السوري الجديد جاء مختلفاً، فلا عودة قريبة تواسيه، وأبو أحمدنا قال لزوجته "لتحملي كل الأمتعة معكِ.. ونحرق ما تبقى.. لا نريد أن نبقي لكلاب الأسد شيئاً". تكرر المشهد مرات عديدة في ظل أحداث الثورة السورية، ولا سيما خلال السنوات الخمس الأخيرة، إذ أصبحت كلمة "نزوح" تعبر عن مرحلة طويلة من عمر الثورة، فسياسة النظام بالقصف الممنهج وتدمير القرى جعل أهلها أمام خيارين: العبودية أو إجبارهم على ترك مدنهم وقراهم. تعددت محطات نزوحي من منطقة لأخرى، ولكني أذكر تماماً المحطة الأولى عندما ركبت السيارة برفقة عائلتي وحملنا بعض أمتعتنا الصغيرة، وحينها قال أبي "لا تاخدوا كتير غراض.. كم يوم وراجعين"، وركبنا السيارة من داريا إلى إحدى ضواحي الشام، فكانت التغريبة السورية، ولم نعد من يومها إلى داريا بعد، وكان ذلك أواخر العام 2012. وصلت منذ سنوات إلى إدلب على متن رحلة نزوح جديدة، وكنت أظن أنها باتت مثوانا الأخير. ولكن لعنة النزوح لحقت بنا، وبدأت تلتهم أرياف إدلب وحماة رويداً رويداً.. حتى وصلت إلى مدنها الكبرى كالمعرة وسراقب. عند نزوحي الأول من داريا لم أكن أدرك أن عودتي لها ستكون حلماً بعيداً. كنت في بداية نزوحي أتلهف شوقاً لرؤية بيتي من جديد، وأفكر دوماً في "هل ستكفي حبات القنبز (طعام للعصافير) التي وضعتها لعصافيري لعدة أيام أخرى قبل عودتي"؟، وحدث وقتها أن لطمت أمي جبينها بعد أن تذكرت أنها نسيت أن تغلق جرة الغاز جيداً قبل خروجنا، وكنت أقول لها "بعوض الله.. بكرة بس رجعنا منبدلها". كانت أيام النزوح تلك تمر علينا ثقيلة لا تريد أن تنتهي، وكنا نسلي أنفسنا بالعودة القريبة، حتى أننا لم نفكر بالبحث عن منزل جديد. أما صديقي أسامة الذي نزح من ضيعة عابدين في ريف حماة، فكان يدرك تماماً أن العودة إلى منزله مرة أخرى ستصبح حلماً في ظل استمرار حكم الأسد. "لم تعد قوات الأسد تكتفي بحملة عسكرية على البلدات وارتكاب مجزرة بحق أهلها ومغادرتها، وإنما تتبع سياسة الاحتلال وإعادة البلدات الثائرة لحكمها"، قال أسامة الذي كان منهمكاً في شد غطاء السقف المكون من النايلون والبطانيات فوق غرفته الجديدة قرب الحدود التركية، وأردف "المكان هنا أكثر أمناً، وربما تُمنح هذه المنطقة لتركيا ويمكننا عندها بناء منزل عليها". لم يكن أسامة وحده من تخلى سريعاً عن أمل العودة إلى بيته، فسياسة النظام المدمرة دمرت معها أحلام الكثيرين. وأثناء إعداده لرحلته من بلدة سرمين في ريف إدلب، يجهز أبو حمزة ليترات من البنزين وقداحة ليحول منزله إلى كومة من رماد، في حال ساءت الأوضاع واستطاع النظام دخولها. "صعب على الأنسان أن يرى بيته الذي ولد وعاش فيه يحرق أمامه، ولكن الأصعب أن يراه محتلاً وجنود النظام قد دنسته" قال أبو حمزة وهو يجمع أثاث منزله ليحشره في السيارة التي ستقله مع عائلته إلى إحدى المخيمات الحدودية. عن نفسي، فإني لم أعد أحصي عدد المرات التي غادرت فيها منزلاً، ولكن شتان ما بين نزوحين وألمين كلاهما لم تكتب له عودة قريبة، ما بين نزوحي الأول الذي ظل معلقاً لفترة طويلة بأمل العودة القريبة، ولم أحمل فيه -أنا وأهلي- كل متاعنا، ونزوحنا الأخير الذي حملنا معه كل أثاث البيت ومضينا إلى المجهول، في رحلة بحث عن مأوى ليس من سماته أنه مؤقت، فلا بصيص أمل لعودة قريبة  

]]>
إدلب.. هوامش الجحيم.. العمل تحت خط النار.. أشخاص في إدلب عملوا قريباً من مناطق الاشتباك في سبيل كسب لقمة العيش http://ayn-almadina.com/details/4978/4978/ar 4978 date2020-02-16 20:33:06 ayn-almadina يضطر الكثيرون في إدلب إلى العمل في مناطق قريبة من خطوط الاشتباك، فكان البحث عن اللقمة محفوفاً بالمخاطر، وطريقاً إلى الموت، حيث سبيل الوصول إليها المخاطرة والذهاب إلى أماكن القصف والمعارك. وذلك ما حصل مع بعض الشباب النازحين من ريف إدلب الجنوبي، والمقي...
إدلب.. هوامش الجحيم.. العمل تحت خط النار.. أشخاص في إدلب عملوا قريباً من مناطق الاشتباك في سبيل كسب لقمة العيش

إدلب.. هوامش الجحيم.. العمل تحت خط النار.. أشخاص في إدلب عملوا قريباً من مناطق الاشتباك في سبيل كسب لقمة العيش

ملف

يضطر الكثيرون في إدلب إلى العمل في مناطق قريبة من خطوط الاشتباك، فكان البحث عن اللقمة محفوفاً بالمخاطر، وطريقاً إلى الموت، حيث سبيل الوصول إليها المخاطرة والذهاب إلى أماكن القصف والمعارك. وذلك ما حصل مع بعض الشباب النازحين من ريف إدلب الجنوبي، والمقيمين حالياً في مخيمات ومدن ريف إدلب الشمالي. قبل أسابيع قليلة، وقبل وقوع معرة النعمان وريفها الشرقي تحت سيطرة النظام، كان العديد من الشباب النازحين إلى شمال إدلب يقصدون قراهم في ريفها الجنوبي التي فروا منها سابقاً، بهدف العمل أو من أجل جني محاصيلهم السنوية، كذلك كي ينقلوا بعض أثاثهم واحتياجاتهم من منازلهم. معرضين أنفسهم للخطر في ظل القصف البري والجوي،  وكان أولئك الشباب حريصين على الذهاب خلال بعض المواسم، أولها قطاف القبار (الشفلح)، الذي هو عبارة عن ثمار تظهر على نبتة خضراء شوكية تنمو في الأرض بشكل طبيعي من بداية أيار وحتى آب، تستفيد منه الكثير من العائلات في كسب لقمة عيشها، والأمر الذي دفع البعض للمخاطرة في قطافه هو أن عدد القاطفين قل بسبب النزوح.  تروي بسمة محمد من ريف إدلب الجنوبي: "تركتُ أولادي الاثنين عند حماتي، ونزلت إلى القرية كي أقطف الشفلح، لم يكن بيدي حيلة، إذ لم أجد عمل أساعد به زوجي، فنزلنا كلينا إلى القرية، وجمعنا حوالي 200 ألف ليرة، لكن عشنا لحظات من الرعب تنحفر حفراً في الذاكرة، إذ عندما كانت تقصف الطائرة وتهتز الأرض بنا.. كنت أترك كل شيء وأهرع إلى المغارة". كذلك في تلك الفترة، كان هناك حصاد أراضي القمح والشعير وغيرها من الحبوب، فكان العاملون في تلك الأراضي إما أصحاب الأرض أو عمالاً فيها مقابل أجر معين يتم الاتفاق عليه، وفي نفس الفترة الصيفية اضطر بعضهم لقصد القرى بنية جني موسم التين والعنب. وبعدها بفترة شهرين تقريباً حان موعد قطاف الزيتون، فكانت الرغبة تأمين مؤونة الشتاء من الزيت والزيتون وجني المال. وحسب الاتفاق الذي شاع في أغلب مناطق ريف إدلب الجنوبي، فقد كانت نسب تقسيم المحصول هي "ثلثين للقاطفين وثلث لصاحب الأرض"، أو "النصف بالنصف". أما آخر أسباب المخاطرة فكانت من أجل احتطاب الأشجار للاستفادة منها في التدفئة.  من الذي يخاطر؟  بعض العائلات كانت تتبع مخطط لاختيار الأفراد الذين يتوجهون إلى القرى الشبه المهجورة، بالأخص تلك العائلات التي لديها عدد أفراد كبير وكلهم يعيشون حياة شبه مشتركة. تقول أم عدي: "عندي 9 شباب، خمسة منهم متزوجون وأربعة عازبون. لم أكن أختار بينهم، لأن قلبي لم يكن يطاوعني، إلا أنهم كانوا يتفقون فيما بينهم على عدم السماح للمتزوجين بالذهاب كون لديهم زوجات وأطفال، ويتناوب كل اثنين من العازبين على الذهاب، فلا يذهب الاثنان الآخران حتى عودة أخويهم اللذين سبقاهم". في حين لم تكن بعض العائلات تتبع ذلك الاتفاق. فحين يكون كل فرد هو المسؤول الوحيد عن عائلته، يذهب رب الأسرة إلى العمل، أو الابن الأكبر أو ابن آخر إن كان عمرهما مناسباً وتعتمد الأسرة عليهما، كذلك الزوجات كن يذهبن مع أزواجهن أو أولادهن إن تطلب الأمر.  بجانب الموت والإصابة هناك خوف نفسي نتيجة للمخاطرة ومن المعلوم أنه من الآثار السلبية الممكنة الوقوع هي الموت أو الإصابة الجسدية سواء بسيطة أو خطيرة. تروى سلوى العبد: "ذهب زوجي لقطاف الزيتون، ولم يكن لدي حجة كي أقنعه بعدم الذهاب، طوال فترة غيابه كان قلبي على نار، حتى سمعتهم يرددون اسم زوجي عندما كنت أقلب رسائل المجموعة الإخبارية على الواتس، فعرفت أنه مصاب ويحتاجون سيارة الدفاع المدني لإسعافه. الله وحده يعلم ماذا حصل لي وقتها، لم أهدأ حتى ذهبت إلى المستشفى ورأيته. الحمد لله أنه بقي على قيد الحياة، فإصابته كانت بكتفه". تقول أم محمد من ريف إدلب الجنوبي: "ابني مات في الحملة العسكرية على إدلب، قلت له يا بني لا تذهب، فأجابني أنه سيعود في الغد بعد أن يجمع بعض ثمار التين، لكن في اليوم التالي وصلني نبأ مقتله، صرت ألوم نفسي، لكن ما نفع الندم.. ابني رحل". فضلاً عن ذلك، فهناك الخوف والقلق الذي يعيشه كلاً من الشخص الذي يخاطر بنفسه وعائلته التي تنتظره في بلد النزوح، مع التخيلات البشعة التي تراود كل من الطرفين من لحظة الذهاب وحتى العودة. يحكي مراد حازم: "كنت أقطف الزيتون مع أخوتي في منتصف الليل، عندما بدأت الراجمة بالقصف، جسمي كله صار يرتجف من الخوف، ودموعي صارت تنهمر على هذا الحال الذي وصلنا إليه، صرت أسأل نفسي، ماذا سيحل بزوجتي لو مت، ماذا سيحصل لأمي وأبي؟، لم أعد سالماً إليهم إلا وقلبي قد فرط.. أقسمت بعدها أني لن أخاطر بنفسي".  ورغم استسلام البعض لقدرهم في مواجهة الخطر للمساعدة في احتمال صعوبات الحياة، إلا أنهم لا يخفون قلقهم وخوفهم العميق. تختم أم عدي التي وضعتها الظروف أمام مراقبة المفاضلة بين أبنائها في التعرض للخطر: "عندما يذهب أولادي إلى القرية أمتنع عن الأكل، وأصبح كثيرة الشرود، كما أشعر بتأنيب الضمير لأني لم أمنعهم، مع أني حدثتهم ولم ينصتوا لي، بسبب حاجات العائلة. عندما أقوم لأصلي أنوي الدعاء، فيسبق بكائي الدعاء"  

]]>
إدلب.. هوامش الجحيم.. تفشي عمالة الأطفال في الشمال السوري http://ayn-almadina.com/details/4979/4979/ar 4979 date2020-02-17 23:11:58 ayn-almadina "بلد ليست بلدي وأطفال لا أعرفهم، ومنذ فترة قصيرة أتينا إلى هنا، فكيف سأذهب إلى المدرسة وأنا لا أعرف أحداً؟ سأتعرض للخطف لا محالة". هذا هو السبب الذي يدعو الطفل نمر لترك مدرسته والالتحاق بسوق العمالة في "ورشة تصويج السيارات" في ...
إدلب.. هوامش الجحيم.. تفشي عمالة الأطفال في الشمال السوري

إدلب.. هوامش الجحيم.. تفشي عمالة الأطفال في الشمال السوري

ملف

"بلد ليست بلدي وأطفال لا أعرفهم، ومنذ فترة قصيرة أتينا إلى هنا، فكيف سأذهب إلى المدرسة وأنا لا أعرف أحداً؟ سأتعرض للخطف لا محالة". هذا هو السبب الذي يدعو الطفل نمر لترك مدرسته والالتحاق بسوق العمالة في "ورشة تصويج السيارات" في السوق الصناعية في منطقة مخيمات أطمة في ريف إدلب الشمالي. نمر في الثانية عشر من عمره، نزح مؤخراَ من ريف إدلب الجنوبي بسبب حملة النظام والطيران الروسي الشرسة، ولكنه ترك مدرسته في مكان نزوحه والتحق بسوق العمل. يقول نمر: "كنت في قريتي من الطلاب الأوائل، ولكن بعد نزوحنا إلى منطقة جديدة لا أعرف فيها أحد لم يعد يمكنني أن أذهب إلى المدرسة، لا يمكنني أن أنسى قريتي ومدرستي، لكنني أشعر أن الدراسة لم تعد مجدية بالنسبة إلي". ويضيف: "العمل هنا صعب، ولكن يجب أن أتعلم مهنة لأعمل بها عندما أكبر، لأن التعليم كما يردد الكبار دائماً لم يعد ينفع في الحرب". تفشت ظاهرة عمالة الأطفال في مناطق المخيمات بشكل كبير وملحوظ، خاصة في أواخر العام 2018 والعام 2019، وفي حديث لعين المدينة مع المهندس محمد حلاج مدير "منسقو استجابة سوريا" يقول: "تم تسليط الضوء على عمالة الأطفال في الفترة الأخيرة بسبب موجة النزوح الأخير، ولكن الظاهرة موجودة من قبل الثورة والأسباب التي تؤدي إلى هذه الظاهرة هي نفسها قبل الثورة، ولكن زادت وتيرتها بعد العام 2011. من هذه الأسباب انخفاض مستوى الدخل لرب الأسرة، خاصة في العوائل الكبيرة، وقلة الوعي والفقر والعوز، ولذلك نرى تفشي هذه الظاهرة بشكل مطرد". ويتابع الحلاج: "بالنسبة إلى سوق العمالة وأماكن انتشار هذه الظاهرة بشكل كبير، تأتي في المرتبة الأولى مناطق المخيمات بشكل عام على الحدود مع دول الجوار، في تلك المناطق هناك مناطق صناعية تستقطب القسم الأكبر من الأطفال بأجور زهيدة لا تتناسب مع الجهد العضلي والتعب البدني الذي يبذله الطفل". وعن النسب المسجلة لعمالة الأطفال في تلك المناطق يجيب الحلاج: "لا يمكننا الحديث عن أعداد متعلقة بهذه الظاهرة لأننا في وضع حرب، ولكن يمكننا الحديث عن نسب متعلقة بها، وذلك من خلال الاطلاع على نسبة الأطفال المتسربين من المدارس في المخيمات، حيث تظهر نسب التسرب المدرسي مدى ارتفاع نسبة عمالة الأطفال خاصة في الفئة العمرية بين 6-15 عاماً". من جانبه يرى الأستاذ رشاد غنام مدير حالة مع الهيئة الدولية للإنقاذ "IRC" أن أسباب ظاهرة عمالة الأطفال تتفاوت بحسب الحالة التي يتعرض لها الطفل، كموت أحد الوالدين، أو جهل أولياء الأمور بأهمية التعليم، أو شدة الفقر، أو حتى انعدام التعليم المدرسي والتوعية من قبل المدارس بخطورة هذه الظاهرة. ويستدرك غنام بقوله: "الطفل يدخل إلى سوق العمل من عدة أبواب، فيمكن أن يدخل عن طريق العمل مع والده، أو أحد أقربائه، وهنا ليس بالضرورة أن يكون الفقر هو السبب، أو يمكن أن يدخل إلى سوق العمل مع أشخاص غرباء، لكونه يريد أن يتعلم مهنة منذ صغره". بدوره يقول حسام الخلف أحد العاملين في قسم الدعم النفسي لمنظمة "GOAL" العاملة في سوريا: "صراحة لا يمكننا أن نلغي أو نقضي على هذه الظاهرة المنتشرة بكثرة، وخاصة في ظل هذه الظروف التي تمر بها المنطقة، ولكن يمكن الحد من انتشارها وتقليلها بعدة خطوات يمكن أن تترجم على أرض الواقع، ولكنها تحتاج إلى تضافر جهود الجهات المعنية بالدرجة الأولى، والمنظمات الإنسانية بالمرتبة الثانية، مع بعضها البعض". ويوضح الخلف: "يمكنني أن أذكر بعض الوسائل التي من خلالها يمكن مكافحة هذه الظاهرة، في الدرجة الأولى الاهتمام برفع المستوى المعيشي لأرباب الأسرة وتوفير فرص عمل لهم، ثم يأتي في الدرجة الثانية حملات التوعية بخطورة عمالة الأطفال من ناحية صحية ومن ناحية ثقافية واجتماعية، ومن ثم يأتي في الدرجة الثالثة حملات العودة إلى المدرسة، وتوجيه خطة المدارس التعليمية إلى التوعية بخطورة الظاهرة، ناهيك عن الحملات الإعلامية والدعائية التوعوية". أبو حسن نازح من ريف حماه إلى الحدود الشمالية السورية، يقول لعين المدينة: "يعمل في ورشتي طفل في سن المدرسة، ولكن ذويه أرسلوه إلى العمل حتى يساعدهم في المعيشة ويتعلم مهنة يعمل بها، لأننا في حالة حرب ولا بد للمرء من أن يمتلك مهنة يواجه بها هذه الحياة". ويؤكد أبو حسن: "أنا لا أحب أن يعمل الأطفال في هذه المهن، ولكن الأوضاع المعيشية صعبة في المناطق المحررة، ومن ناحيتي أجد الأسباب التي تدفع إلى انتشار هذه الظاهرة مقنعة"  

]]>
إدلب.. هوامش الجحيم.. عشرات حالات الاكتئاب والقلق تتكدس دون علاج http://ayn-almadina.com/details/4980/4980/ar 4980 date2020-02-18 18:22:19 ayn-almadina عندما لجأت المريضة الشابة ليلى (20 عاماً) إلى الطبيبة بيان الكردي المتخصصة بأمراض القلب، لم تجد الطبيبة ما تقوله لها سوى إيجاد أي عمل لتعبئة وقتها، فقد تبين لها أنها لا تشكو من أمراض جسدية بل هي الحرب التي ألقت بثقلها عليها وجعلتها تعاني من القلق وال...
إدلب.. هوامش الجحيم.. عشرات حالات الاكتئاب والقلق تتكدس دون علاج

إدلب.. هوامش الجحيم.. عشرات حالات الاكتئاب والقلق تتكدس دون علاج

ملف

عندما لجأت المريضة الشابة ليلى (20 عاماً) إلى الطبيبة بيان الكردي المتخصصة بأمراض القلب، لم تجد الطبيبة ما تقوله لها سوى إيجاد أي عمل لتعبئة وقتها، فقد تبين لها أنها لا تشكو من أمراض جسدية بل هي الحرب التي ألقت بثقلها عليها وجعلتها تعاني من القلق والوساوس والأرق، ما جعلها شبه عاجزة عن القيام بأعمال منزلها ورعاية طفلتها الصغيرة. في عيادتها لمعالجة أمراض القلب بمدينة إدلب أجرت الطبيبة فحوصات شاملة لمريضتها ليلى التي تبين أنها تعاني من ارتفاع في الضغط وتسارع في نبضات القلب نتيجة القلق النفسي المصاحب لغالبية سكان إدلب، خاصة بعد التطورات العسكرية الأخيرة في هذه المنطقة. وتؤكد الطبيبة كردي أنها تستقبل شهرياً حالات عديدة مشابهة لحالة ليلى في عيادتها، والسبب واحد: الخوف والتوتر نتيجة أجواء الحرب المخيمة على إدلب شمال غرب سوريا. ولا تكف ليلى عن التفكير في الموت والقلق من إصابتها بالعديد من الأمراض الخطيرة التي تتوهم بأنها على وشك الإصابة بها. كل هذا كان يؤدي إلى تسارع وتيرة ضربات القلب وارتفاع في ضغط الدم، حتى أن فحص الضغط والقلب باتا بالنسبة إليها عادة يومية. رحلة البحث عن علاج جذري لحالتها المستعصية قادتها إلى طبيب مختص في الجراحة العصبية هو الدكتور حسين ياسين. أجرى ياسين فحصاً شاملاً لليلى، وتبين له أنها بحاحة لعلاج نفسي بعيداً عن الجراحة العصبية، فزودها بدواء مهدئ ناصحاً بالبحث عن طبيب مختص بالأمراض النفسية. وخلال حديث عفوي مع صديقة لها علمت ليلى بوجود عيادة تعالج الأمراض النفسية في مدينة إدلب. زارت المكان وعندها بدأت الأمور تتوضح أكثر، فقد شخص الطبيب محمد العلي -الذي يداوم في العيادة النفسية المتنقلة في مستوصف الجامعة كل أربعاء- وجود مرض نفسي لدى ليلى يختصر بكلمة "القلق". كان التشخيص والعلاج مجديين لدرجة مكنت ليلى من السيطرة على الوساوس التي كانت تنتابها، حسب ما أوضحت في حديثها مع عين المدينة.  حالات أخرى لم تعالج "على الرغم من اعتباره أحد الأمراض النفسية الأكثر شيوعاً، لا يعتبر القلق المرض النفسي الوحيد الذي ينتشر في إدلب، فهناك أمراض نفسية وعقلية أخرى منتشرة أهمها اضطراب القلب المعمم والرهابات واضطراب الكرب ما بعد الصدمة واضطراب الكرب الحاد، إضافة لاضطراب التأقلم تليها أمراض أخرى مثل الاكتئاب والذهان"، كما يقول الدكتور محمد ساطو مدير "وحدة الأمراض النفسية والعقلية" التي هي عبارة عن مركز علاج نفسي متخصص افتتح بإشراف اتحاد المنظمات الطبية الإغاثية السورية (UOSSM) في مدينة سرمدا الحدودية ليكون المركز الأول والوحيد الذي يمنح خدمات دعم نفسي في منطقة تسودها الحروب والأزمات. قد يكون الحظ حالف ليلى في الحصول على علاج مناسب، لكن هنالك العشرات من المصابين بأمراض نفسية أو عقلية حالاتهم أشد سوءاً من ليلى، لكنهم لا يستفيدون من أي علاج متخصص. منذ سنتين بدأت علامات تشبه الجنون تظهر على أبو محمد (55 عاماً) الذي يعيش في ريف إدلب الشرقي، ويصاب بحالة ذعر شديد كلما سمع هدير طائرة حربية تحلق في أجواء المنطقة تمهيداً لإلقاء قنابلها على رؤوس المدنيين. يقول عماد أحد أقارب الكهل لعين المدينة "إن أبو محمد يتبدل خلال لحظات من إنسان عاقل إلى شخص غير طبيعي يتحدث عن أشياء غريبة جرت معه في الماضي، كما يسب ويشتم ويبدو أكثر عصبية لاسيما إذا انقطع من لفافات التبغ التي يدمن عليها بشراهة لا توصف". أحد الصيادلة أعطى أبو محمد بعض الأدوية التي تستخدم لعلاج الأمراض العقلية، فتحسنت حالته قليلاً لبعض الوقت قبل أن يعود سريعاً إلى حالته السابقة.  عيادات متنقلة للعلاج يقول الدكتور محمد ساطو أن "نسبة شيوع الاضطرابات النفسية والعقلية في الشمال المحرر ازدادت بين 2 إلى 4 بالمائة عن النسبة المعتادة"، وهو يسعى مع زملائه في وحدة الأمراض النفسية والعقلية في سرمدا إلى تقديم الخدمة الطبية التخصصية من الناحية النفسية والعقلية. ويضم مشروعهم عيادة خارجية تخصصية ووحدة استشفاء للمرضى الداخليين، إضافة إلى أربع عيادات متنقلة نفسية تغطي معظم المناطق المحررة. يقول ساطو إن العيادة الخارجية في الوحدة التي يديرها "تقدم المشورة الطبية المختصة لجميع المراجعين مع العلاج الدوائي المتوفر بشكل مجاني، وفي حال وجود حالات حرجة تقوم العيادة بإحالتها لوحدة سرمدا الداخلية". وتضم وحدة سرمدا المخصصة للمرضى فوق عمر الــ18، جناحا خاصاً بالذكور وآخر بالإناث. تستوعب الوحدة 20 سريراً، ومدة الاستشفاء لا تتجاوز أربعة أسابيع كحد أقصى. وتستقبل المرضى الذين يعانون من اضطرابات عقلية ونفسية حادة مثل (اضطراب ثنائي القطب - نوبة ذهانية حادة - اكتئاب شديد مع خطورة انتحارية - اضطراب سلوكي شديد مرتبط بمشاكل الصحة النفسية). ولإيصال المشورة المتخصصة بالصحة النفسية، استحدثت الوحدة ما يسمى بالعيادات المتنقلة التي تتوزع في مدن وبلدات محافظة إدلب، وتقوم بتقديم الدعم النفسي والتوعية في مجال الصحة النفسية والمخاوف المتعلقة بالحماية. على الرغم من الجهود التي يبذلها كل من الطبيبين محمد العلي ومحمد ساطو مع عدد آخر من الأطباء، تبقى أمراض مثل القلق والرهاب والاكتئاب حاضرة بكثرة في إدلب، ما دامت الحرب قائمة وما دام النظام يواصل هجماته العشوائية على منطقة إدلب حاصداً الموت في صفوف المدنيين.  شريط ليلي من الألم وإذا كان القصف المروع على المدنيين يعتبر سبباً أساسياً للمشاكل النفسية التي يعاني منها سكان منطقة إدلب، فإن المعاناة تصبح أضعافاً مضاعفة إذا كان ساكن هذه المنطقة من الخارجين أحياء من سجون نظام الأسد. تحاول رجاء (40 عاماً) تناسي معاناتها القائمة منذ ثلاث سنوات عندما خرجت من أحد سجون النظام في دمشق، بعد أن أمضت فيه قرابة سنة ونصف سنة. لكن شريط الاعتقال وما يتضمنه من أهوال يمر في ذاكرتها كل ليلة مانعاً عنها النوم لساعات طويلة، كما تقول لعين المدينة. وأجبر القصف رجاء على تبديل مكان إقامتها مرات عدة في إدلب بعد أن خرجت بصفقة تبادل جرت بين المعارضة والنظام شمالي سوريا. تقول عن فترة المعتقل وهي تفرك يديها بتوتر واضح: "كان هناك تعذيب وإرهاق وأشياء أخرى لا أرغب بالتحدث عنها، تشعرني بالتوتر والقلق وتتسبب لي بألم حاد في الرأس وتدفعني إلى الاكتئاب". وبما أن رجاء لم تزر أي طبيب نفسي مختص بحالتها، فقد نصحها أحد المقربين منها بزيارة عاجلة لإحدى العيادات المتنقلة التي تشرف عليها وحدة الأمراض النفسية.  طريق خاطئ بسبب الجهل وانتشار الشعوذة والمتعاملين بالسحر يلجأ البعض ممن يعانون من أمراض نفسية كالقلق والاكتئاب وفصام الشخصية إلى المشعوذين ظناً منهم أن المرض يتعلق بمس من الجن.  وقد عانت ندى الثلاثينية طويلاً من وساوس قهرية تتعلق بالمرض والموت، وبات يرافقها بشكل شبه دائم هاجس الخوف من الموت في أي لحظة نتيجة القصف أو مرض عضال. وبدلاً من أن تقوم بزيارة طبيب مختص لتشخيص حالتها المتفاقمة ووصف الأدوية المناسبة لها، ذهبت إلى إحدى العرافات أو الساحرات. تروي ندى لعين المدينة كيف دفعتها عرافة مشعوذة إلى التقيد بتعليماتها، فاشترت مواد باهظة الثمن مثل المسك الأسود، وواظبت على الاغتسال بالماء المملح والقيام أحياناً بأفعال غير مفهومة مثل رش الماء أمام باب منزلها أو ذبح ديك أحمر اللون، وتقول إنه تهيأ لها أنها شعرت ببعض التحسن لأسابيع قليلة لكن وضعها سرعان ما تفاقم. وتختم ندى بالقول لعين المدينة "أدركت بالنهاية أنني سلكت طريقاً خاطئاً، وأن علي تقبل إصابتي بمرض نفسي والتوجه الى أي طبيب مختص لمعالجة حالتي".  تلاعب قد يشعر أي شخص يعيش في منطقة موبوءة بالحرب وانعكاساتها السلبية ببعض التوتر والقلق، لكن هذا الشعور لا يصل إلى مرتبة المرض النفسي. وقد خضعت بعض الحالات التي اطلعت عليها عين المدينة للتلاعب بسبب عدم العثور على طبيب مختص بالحالة النفسية. فقد قاد الحظ العاثر العشرينية منى للمعالجة عند طبيبة قلبية ساهمت في تفاقم حالتها النفسية بعد إعطائها معلومات مزيفة حول تخطيط قلبها ودرجة الضغط الدموي وسرعة دقات القلب. في البداية كانت منى تعاني من حالات ذعر تترافق مع تعرض المنطقة التي تعيش فيها للقصف، فتشعر بتسارع دقات قلبها. وعندما زارت طبيبة القلب هذه أجرت لها تخطيط قلب وقاست ضغط دمها وقالت لها أن حالتها غير مستقرة وهي بحاجة لعلاج متواصل. لكن سرعان ما تبين لمنى أنها وقعت ضحية تلاعب من الطبيبة لمواصلة زيارتها، وتأكدت من ذلك بعد أن عرضت نتائج فحوصاتها على طبيب مختص طمأنها إلى أنها طبيعية عكس ما قالت لها الطبيبة التق زارتها سابقاً، وأن كل ما تعاني منه ليس أكثر من بعض التوتر الذي قد يذهب بعد تناول حبوب مهدئة من العيار الخفيف

]]>
إدلب.. هوامش الجحيم.. العوائق أمام عمل المرأة السورية في الشمال المحرر http://ayn-almadina.com/details/4982/4982/ar 4982 date2020-02-19 16:50:31 ayn-almadina تخرج الثلاثينية مها الأيوب صباح كل يوم تاركة أطفالها الخمسة، متجهة إلى ورشة الخياطة والحياكة التي تعمل فيها، بغية إعالة نفسها وأطفالها بعد أن استشهد زوجها في إحدى غارات الطيران الحربي على مدينتها أريحا. وقد نجحت هذه السيدة الشابة بإرادتها القوية وعزي...
إدلب.. هوامش الجحيم.. العوائق أمام عمل المرأة السورية في الشمال المحرر

إدلب.. هوامش الجحيم.. العوائق أمام عمل المرأة السورية في الشمال المحرر

ملف

تخرج الثلاثينية مها الأيوب صباح كل يوم تاركة أطفالها الخمسة، متجهة إلى ورشة الخياطة والحياكة التي تعمل فيها، بغية إعالة نفسها وأطفالها بعد أن استشهد زوجها في إحدى غارات الطيران الحربي على مدينتها أريحا. وقد نجحت هذه السيدة الشابة بإرادتها القوية وعزيمتها الصلبة في تحدي مجتمعها المتحفظ على عملها لمواجهة ظروفها الصعبة. الحرب السورية المدمرة التي أزهقت أرواح الكثيرين، جعلت عدداً من النساء وخاصة في المناطق المحررة موضع المشارك في إعالة الأسرة، يعانين قهراً مضاعفاً في ظل أوضاع معيشية صعبة، يسودها انعدام الأمن والاستقرار وندرة فرص العمل، فضلاً عن عادات وتقاليد بالية استبدت بالمجتمع لمنع المرأة من الخروج للعمل. وأمام هذا الواقع المرير اضطرت الكثير من النساء إلى كسر الأعراف السائدة، بغية تحسين الواقع المعيشي، ومنهن العشرينية سامية القناطري من بلدة بنش الحائزة على شهادة في التمريض والإسعافات الأولية.  خرجت القناطري من القيود والضوابط الاجتماعية التي وضعت فيها لتنضم إلى فريق الدفاع المدني، بغية مساعدة والدها المسن في سد نفقات البيت في ظل الغلاء الفاحش وتدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية. تقول القناطري لعين المدينة: "واجهت في بداية عملي الكثير من الانتقادات والضغوطات في مجتمعنا الذي يرفض عمل المرأة في هذا المجال ويعتبرها مهنة خاصة بالرجال، ولكن عندما علم الناس حجم الخدمات الإنسانية التي نقدمها للنساء والأطفال أدركوا الأثر الإيجابي لعملنا". الزيادة الكبيرة في عدد النساء اللواتي يحتجن إلى العمل في إدلب وريفها جعل العرض على العمل كبيراً، ما جعلهن عرضة للغبن ويجبرن على العمل بأبخس الأجور. الأرملة فاتن السيد (36 عاماً، من بلدة سرمين) تشكو من تدني أجرها مقابل العمل الذي تقدمه، فهي تعمل من الصباح حتى المساء مقابل أجر يبلغ 1500 ليرة سورية يومياً لا يكفي لسد رمق أطفالها الثلاثة. تقول السيد بغصة يتخللها الكثير من الحزن لعين المدينة: "يؤلمني كثيراً أن أمضي معظم الوقت خارج المنزل بعيدة عن أطفالي، وعندما أعود للمنزل أكون مرهقة للغاية ولا أستطيع العناية بهم بالشكل المناسب أو متابعة تحصيلهم الدراسي". ثمة عوائق وصعوبات وتحديات كثيرة تقف حائلاً أمام عمل المرأة السورية في المناطق المحررة. وعن هذه العوائق تحدثنا الناشطة والحقوقية لمياء الأسعد من مدينة ادلب: "من هذه العوائق انتشار الفصائل المتشددة التي ترفض فكرة خروج المرأة من بيتها للعمل، وصعوبة إيجاد المرأة المناسبة للمنصب الوظيفي المناسب، وقلة التمويل، وساعات العمل الطويلة التي لا تتناسب مع التزامات المرأة الأسرية، وآلية التوظيف القائمة على المحسوبيات بشكل ملحوظ، وعدم ضمان استمرارية المرأة في العمل." وأضافت الأسعد: "كما أن غياب القوانين التي تأخذ بعين الاعتبار وضع المرأة مثل إجازة الأمومة، الرضاعة، توفير الحضانة في مكان عمل الأم، وصعوبة الحصول على إذن العمل لفقدان الوثائق الشخصية، كلها عوائق تحول دون مشاركتها في العمل". باسمة الخطيب مديرة أحد المراكز الخاصة بدعم وتمكين المرأة في مدينة معرة النعمان، تقول لعين المدينة: "العمل هو حاجة من الحاجات الأساسية في حياة الإنسان، والمرأة هي نصف المجتمع، لذلك لابد من أن يكون للمرأة دور في العمل، وهناك أعمال مهمة جداً لابد للمرأة من أن تكون ضمن دائرة العمل فيها، والمجالات واسعة وكبيرة منها التعليمية والطبية والسياسية والمهنية وغيرها". وترى الخطيب أن "دور المرأة يظهر عند الأزمات والحروب، وإذا ظهرت الأزمات وهي غير مؤهلة، ستضطر إلى دخول أعمال غير لائقة بها ما يجعلها تعيش في سلسلة من التوترات هي في غنى عنها"، لذلك تنصح الخطيب "كل امرأة بالاستعداد للعمل، وإن لم تكن بحاجة مادية، فالعمل إنجاز وثقة واطمئنان بالنسبة للمرأة عموماً". وثمة من ينظر لعمل المرأة بأن له نواحي إيجابية وأخرى سلبية. تقول الدكتورة أسماء الصالح المختصة في الدراسات النفسية والاجتماعية من معرة مصرين، لعين المدينة "النواحي الإيجابية لعمل المرأة تكمن في أن العمل عموماً يساعد المرأة وخاصة في الوقت الحالي على الانخراط بالمجتمع وعدم التقوقع والوقوع في الكآبة المنزلية، خاصة أن البيوت مليئة بالفقد والبعد والوحدة وأحزان الحرب وغيرها، كما يمنح العمل المرأة الأمن الاقتصادي، الثقة بالنفس، الخبرة الاجتماعية، القدرة على الإبداع، الحضور المؤثر، والقدرة على اتخاذ القرار". بينما ترى الصالح "أن النواحي السلبية تكمن في التعرض لمشكلات العمل كالتحرش والاستغلال والضغط النفسي، والوقوع تحت المجهر الاجتماعي المراقب لتصرفات المرأة ولباسها وحركاتها وعلاقاتها، وترك بيتها وأولادها ساعات طويلة ما يؤدي إلى خلل أسري كبير، والإرهاق والتعب أو المرض الجسدي لها كأنثى، فالسوريات غير معتادات على الجهد الكبير في العمل"!. تعاني المرأة في سوريا عموماً من الضعف والانكسار والتهميش في ظل الواقع المرير الذي تشهده البلاد. وقد يكون لتأهيل النساء السوريات على كافة الأصعدة ودعمهن بكل الوسائل الممكنة، أثراً في تمكينهن من كسب لقمة العيش بكرامة، إلى جانب لعب الدور الفاعل والحقيقي للمرأة  

]]>
إدلب.. هوامش الجحيم.. الألعاب الإلكترونية.. وسيلة هروب الأطفال من واقع الحرب ولكن http://ayn-almadina.com/details/4983/4983/ar 4983 date2020-02-20 17:27:21 ayn-almadina تشكل الألعاب الإلكترونية جزءاً هاماً وأساسياً من عالم الطفولة في وقتنا الحالي، فهي تكاد تطبق بشكل كامل على اهتمامات الأطفال حتى أصبح الأمر خارجاً عن سيطرة الأهل الذين يعانون من تعلق أبنائهم المفرط بها. وقد جعلت ظروف الحرب القاسية التي يعيشها السوريون...
إدلب.. هوامش الجحيم.. الألعاب الإلكترونية.. وسيلة هروب الأطفال من واقع الحرب ولكن

إدلب.. هوامش الجحيم.. الألعاب الإلكترونية.. وسيلة هروب الأطفال من واقع الحرب ولكن

ملف

تشكل الألعاب الإلكترونية جزءاً هاماً وأساسياً من عالم الطفولة في وقتنا الحالي، فهي تكاد تطبق بشكل كامل على اهتمامات الأطفال حتى أصبح الأمر خارجاً عن سيطرة الأهل الذين يعانون من تعلق أبنائهم المفرط بها. وقد جعلت ظروف الحرب القاسية التي يعيشها السوريون من هذه الألعاب متنفساً لأطفالهم ووسيلة لإخراجهم من أجواء الحرب والخوف والقلق. تقول أم محمد من بلدة حاس في محافظة إدلب: "بعد المجزرة التي حدثت في مدارس بلدة حاس في 26/10/2016 وراح ضحيتها أكثر من 43 شهيداً بينهم أكثر من 20 طفلاً، رفض أولادي الذهاب الى المدرسة ثانية بعد نجاتهم من موت محتم ومشاهدتهم لجثث وأشلاء زملائهم التي سببت لهم اضطرابات نفسية وخوفاً دائماً. كان اللجوء إلى الألعاب الإلكترونية يخفف عنهم هذه الحالة وينسيهم كل شيء يتعلق بالحرب من حولهم، كما اعتادوا على تبادل الأحاديث مع رفاقهم حول التفاصيل المتعلقة بتلك الألعاب، الأمر الذي كان يبعث في نفسي بعض السعادة والسرور". ربما تمكنت الألعاب الإلكترونية من إخراج الكثير من الأطفال من حالتهم النفسية المؤلمة، لكنها في الوقت نفسه قد تتحول إلى ما يشبه مادة المورفين أو الترامادول التي تشعرهم بالراحة لبعض الوقت قبل أن يتحول الأمر إلى إدمان قد يكون مؤلماً أكثر من الألم الذي تم علاجه، كما تقول سميحة (35 عاما) من بلدة كفرومة في محافظة إدلب. وتضيف: "كل حياة ولدي أحمد (13 عاما) هي مع الهاتف واللابتوب وقد ترك المدرسة بعد وفاة والده مباشرة. عندما أحاول الحديث معه فإنه يرد بكلمة واحدة ليتخلص من سؤالي بينما كل تركيزه وعينيه باتجاه الهاتف، حتى بات معزولاً ليس عن العالم الخارجي فحسب بل عن عائلته أيضاً".  وتابعت السيدة وهي تروي بحزن مشكلتها مع ابنها "شرحت للطبيب النفسي سامر حاج موسى (في مركز مستقبل سوريا الزاهر في معرزاف التابعة لأريحا) عن وضعه، وأعطيته المعلومات التي يريدها عنه، فطلب مني أن أحتال عليه وأحضره إلى المركز، وبالفعل استطعت إحضاره وبدأ الطبيب بإخراج هاتفه من جيبه ليحدث أحمد عن قريته في لعبة (كلاش أف كلانس). سال لعاب أحمد واتجه نحو الطبيب مسرعاً ليتشاركا الحديث حول قريتيهما ومدى القوة التي وصلت لها قرية أحمد وقرية الطبيب. استطاع الطبيب الدخول الى قلب أحمد، وأصبح ابني يتردد على المركز بشكل دائم حتى تحول الأمر إلى صداقة بينهما، ومع الوقت شعرت بتحسن أحمد قليلاً من خلال فك العزلة التي كان يعيشها وتكوين بعض العلاقات الاجتماعية. لكن مازالت الألعاب الإلكترونية تأخذ الجانب الأهم من حياته". يشعر الطفل بسعادة كبيرة أثناء ممارسته لهذه الألعاب لدرجة أنه لا يشعر بالتعب حتى لو استمر لساعات طويلة. يقول لعين المدينة سفيان الأعرج (12 عاما): "أتمنى أن ألعب بـ(الجنيرال) و (الزيرو هور) كل الليل والنهار. لكن أمي تمنعني من اللعب لأكثر من ساعتين.  تمضي الساعتان بسرعة ولا أستطيع خلالهما أن ألعب كثيراً ". تقول الأخصائية النفسية نسيبة حصرم من كفرومة في إدلب، لعين المدينة: "إن قضاء أوقات طويلة أمام الألعاب الإلكترونية بداعي تخفيف حدة القلق والخوف والتوتر يؤثر على الطفل من عدة نواح. فمن الناحية الجسدية يسبب التهابات في القرنية ويؤثر على البصر بشكل عام كما يؤثر على فقرات الرقبة ويسبب المناقير في سن مبكرة. كما أن الإشعاعات المنبعثة من الشاشة تؤثر على الدماغ فيبقى مستيقظاً لفترات طويلة خلال النوم مما يسبب اضطراباً في الوظائف الحيوية لدى الطفل وتأخراً في النمو. أما من الناحية النفسية والاجتماعية فيدفع الأطفال إلى الانعزال والابتعاد عن الواقع وضعف العلاقات الاجتماعية وعدم القدرة على التأقلم، بالإضافة إلى تأثيرها على المشاعر والعواطف، فيتقمص الأطفال شخصيات عنيفة من خلال الألعاب التي يألفونها مثل ألعاب القتال والحرب التي تجعل سلوكهم يتسم بالعنف والقسوة بعد تقمصهم شخصيات هذه الألعاب لدرجة يتمنون فيها أن تتم تسميتهم بأسمائها". وتتابع حصرم "خسر عدد كبير من أطفالنا فرصة التعليم بسبب النزوح والتهجير المستمر، ما زاد أوقات الفراغ لديهم وسمح لهم بالذهاب الى مراكز لهذه الألعاب أو اللجوء إلى الهاتف أو اللابتوب المنزلي لممارستها في البيت، ليبدأ الطفل مرحلة التعلق بهذه الألعاب في ظل غياب الرقابة والتنظيم من الأهل". وعن الحلول لعلاج هذه المشكلة، تقول الأخصائية حصرم "ليس هناك من حلول جاهزة لمساعدة الأطفال على عدم الإدمان على هذه الألعاب، لكن التعاون بين الأهل والأخصائي النفسي قد يساعد الطفل على تنظيم وقته بشكل أفضل، ومن المستحسن عدم إبعاده عن هذه الألعاب بشكل مفاجئ وإعطائه الوقت والاهتمام الكافيين لإيجاد بديل أكثر صحة، كالتوجه إلى الألعاب الجسدية وممارسة الرياضة أو الألعاب العقلية كالمسابقات الثقافية والعلمية، ما قد يساعد الطفل على الخروج من هذا النفق قبل التورط في مشاكل أسوأ لا تظهر مباشرة"  

]]>
دير الزور.. هامش على تاريخ الثورة http://ayn-almadina.com/details/4984/4984/ar 4984 date2020-02-21 17:26:08 ayn-almadina "عراقي الأخ؟!" هذا أكثر سؤال وُجِّه إليّ في الأشهر الأولى التي وصلتُ فيها إلى حلب كطالب جامعي صيف عام 2006، في محلات "السمانة" وسيارات الأجرة والمكاتب العقارية، بل وحتى في الجامعة نفسها! آنذاك كانت حلب تستقبل -ككثير من المدن ال...
دير الزور.. هامش على تاريخ الثورة

دير الزور.. هامش على تاريخ الثورة

رادار المدينة

"عراقي الأخ؟!" هذا أكثر سؤال وُجِّه إليّ في الأشهر الأولى التي وصلتُ فيها إلى حلب كطالب جامعي صيف عام 2006، في محلات "السمانة" وسيارات الأجرة والمكاتب العقارية، بل وحتى في الجامعة نفسها! آنذاك كانت حلب تستقبل -ككثير من المدن السورية- آلاف العراقيين الذين غادروا بلادهم إبّان الغزو الأمريكي لها، لكنّ ذلك لم يكن ليبرّر حذف خيار أنْ يكون صاحب لهجةٍ يتحدّث بها الناس من أرياف حلب وحمص وحماة الشرقية غرباً وحتى الحدود العراقية شرقاً؛ سوريّاً. لاحقاً فهمت أنّ ديرالزور ليست موجودة كمركز عمراني في الخريطة الذهنيّة لكثير من أبناء محافظات سوريا الغربيّة! والذين يخلِطون بينها وبين البادية طباعاً ولهجةً وطبيعةَ عيشٍ حتى، ولن أكرر هنا القصة "الحقيقية" المعروفة عن الأسئلة الساذجة التي واجهها كثيرٌ من "الديريين" في المحافظات الأخرى: "هل تعيشون في خيام؟!".. "هل تتنقلون بالجمال؟!".. لكنّ ذلك لم يكن حكراً على المحافظة الشرقية، ففي الجامعة التقيتُ بكثير من أبناء المحافظات السورية الذين يتقاسمون الشعور نفسه "بالتهميش"، حتى أنّ نقاشاً محموماً دار بيني وبين صديقين أحدهما من أبناء إدلب والآخر من أبناء "سُنّة الساحل"، كانت نقطة الجدال فيه أيّ من مناطقنا هي الأكثر تهميشاً! ولا زلتُ أذكر ضحكنا عندما علّق الإدلبي: "حتى المهرجان اللي بيعملوه عنّا اسمه مهرجان المدن المنسيّة!" انتهاء القطيعة انطلقَت الثورة السورية في آذار عام 2011 من درعا في الجنوب السوري، وجاءَت الأشهر التالية صادمة للنظام السوري أكثر من غيره، فهبّت المحافظات السورية تهتف فداءً لدرعا، مؤذِنَةً بانتهاء حالة القطيعة التي كرّسها النظام لعقود، وصار شعار التحيّة للمحافظات السورية الثائرة شائعاً في كل مظاهراتها، وبدأ خطّ فني ثوري أَنتج أغنيات وأهازيج ركّزت على تسمية المحافظات السورية الثائرة بالاسم ضمن كلماتها، والتي كانت تضمّ بلا شك "ديرالزور" التي كسرَت مبكّراً أواسط عام 2011 برفقة حماة حاجز المليون متظاهر! ولك أنْ تتخيّل ما عناه هذا الاعتراف بالمحافظة الشرقية من قبل أقرانها بالنسبة لأبنائها المتعطّشين لاعترافٍ مشابه بعد أعوام من التجاهل، وبدا أنّ هناك مجتمعاً جديداً تُنشِئُه الثورة يعرِّف الانتماء سوريّاً بالدرجة الأولى، ويعتزّ بالسوريين على اختلاف مناطقهم ولهجاتهم وأعراقهم وعاداتهم وطوائفهم أو أديانهم حتى.. (واحد واحد واحد.. الشعب السوري واحد – الله أكبر.. حرية – آزادي.. آزادي.. – رأس السنة الثوري – صلاة العيد في الثورة – الدحيّة الحورانيّة الثوريّة – العراضة الحمصيّة الثوريّة – الهوسة الديريّة الثوريّة – الرقصة الحلبيّة الثوريّة ... إلخ) لكنّ "النهايات السعيدة.. هي قصص لم تنتهِ بعد!". ففي آب/رمضان عام 2011 حرك النظام جيشه لاجتياح محافظَتَي حماة ودير الزور الثائرَتَين، وخرجَت المظاهرات في كلّ مكان تتضامن معهما.. لكنْ بدرجات متفاوتة!
في حلب كنتُ جزءاً من "تنسيقيّة" ثوريّة تضمّ طلبةً جامعيّين من مختلف المحافظات السورية وعدداً من أبناء مدينة حلب، وبعد "مظاهرة طيارة" نُصرةً للمحافظتين تمكّنّا من إخراجها قريباً من الحديقة العامة في مدينة حلب، اجتمعَت مجموعتنا مساءاً لتقييمها، ودار نقاش حادّ احتجاجاً من أبناء ديرالزور في المجموعة على غياب اسمها عن هتافات المناصرة والتي خُصِّصَت جميعها لحماة، فيما تباينَت ردود فعل الآخرين بين من يرى أنّ المهم هو خروج المظاهرة، وبين مَنْ تعذّر ببساطة: "نسينا الدير"! ربما يكون من المبرَّر أنْ يهتمّ السوريون لحماة أكثر من أي مكان آخر، فهي المدينة التي دفعَت الفاتورة الأكبر في "أحداث الثمانينيات"، لكنّ هذا لم يكن ليخفِّف من وطأة ما حدث عليّ، ومنذ ذاك الحين باتت حساسيّتِي لإهمال "الدير" أعلى مع كلّ منشور يستثني اسمها، أو هتاف يُغفِل تحيّتَها. الفزعة يَذكُر كثيرٌ منالسوريين انطلاق الثوار من حلب بقيادة "حجي مارع" -تقبّله الله- في مؤازرة قطعت 230 كم لنصرة مدينة القصير في ريف حمص على الحدود السورية اللبنانية، والتي كان نظام الأسد قد بدأ معركةً للسيطرة عليها بمشاركة "حزب الله" اللبناني أواسط عام 2013، ويَعتبر بعضهم ذلك الحدث تجلّياً لانتهاء عصر القطيعة بين المحافظات السورية بعد الثورة، لكنّ ما تلا هذا الحدث كان تجلّياً للتهميش نفسه الذي يوغِر صدور أبناء شرق سوريا. فالمؤازرات التي وصلَت إلى القصير آنذاك لم تقتصر على ثوار حلب، بل إنّ مجموعات أخرى وصلَتْ إليها قاطعةً أكثر من 400 كم عبر البادية السورية من ديرالزور في أقصى شرق سوريا، باسم "جيش العسرة" المشكَّل خصّيصاً من المتطوّعة لهذه المعركة، والذي استطاع دخول البلدة والمشاركة في معركة الدفاع عنها قبل أنْ يتمكن النظام والحزب من احتلالها. لكنّ أكثر السوريين الذين عرفتُهم لا يعلم أصلاً بوجود "جيش العسرة"، وكأنّ لثورة سوريا تاريخَان! تاريخٌ عامّ يوثّق الثورة على الشريط الغربي منها، وآخر لثورة الشرق يحفظه أبناؤه فقط؛ ويذكُرون أحداثه المرتبطة بالثورة ككل! ثم جاءَت المواجهات بين تنظيم داعش وفصائل الثورة التي بدأَت في ريف حلب الشرقي أواخر العام نفسه، قبل أن تتحوّل إلى معركة مفتوحة تمكّن فيها ثوار حلب وإدلب من طرد التنظيم من مناطقهم شرقاً، كما فعَل ثوار الدير بطرد مجموعات التنظيم من جلّ المحافظة فزعةً للشمال، فيما تمكن التنظيم من بسط سيطرته على ريف حلب الشرقي ومحافظة الرقة، ونشأ خطّ رباط طويل على امتداد ريف حلب الشمالي يفصل المناطق المحررة في الغرب عن مناطق سيطرة التنظيم. آنذاك كنتُ أحد أعضاء المكتب السياسي لجيش المجاهدين في حلب، وهو الفصيل الذي بدأ معركة تحرير الشمال من تنظيم داعش، لكنّ تحوُّل التنظيم عن الريف الحلبي ورمي ثقله بالكامل على محافظة ديرالزور في الشرق، دفَع ثوار الشمال الكبيرة لإيقاف هجماتهم ضدّ التنظيم والاكتفاء بالرباط. وفي الوقت الذي كان فيه ثوار الدير يخوضون أشرس معارك المواجهة التي عرفها التنظيم في مركدة جنوبي الحسكة، كنتُ مع مجموعة من ثوار حلب نحاول حشد فصائل الشمال لضرب التنظيم شرقي حلب، تخفيفاً عن ديرالزور واستغلالاً لانشغال التنظيم بالمعارك هناك، لكنّ أيّاً من محاولاتنا لم تنجح، بل إنّ أحد قادة كبرى فصائل حلب في أحد تلك المحاولات اعتذر إليّ بقوله: "جماعة الدير عم يقاتلوهون عن النفط.. وهي مو معركتنا"! سقطَت ديرالزور أخيراً.. وبدأ عصرُ معارك الثورة المحلّيّة التي خاضَتها كل من محافظات سوريا منفردة، وانتهى زمن أرتال الفزعة العسكرية، ولم يبقَ من "المجتمع الجديد" الذي أنشأَته الثورة إلا حملات المناصرة. النزوح بدأ الشمال السوري يستقبل منذ عام 2017 أفواج النازحين الضخمة من المناطق التي يحتلّها الأسد وحلفاؤه الروس والإيرانيون، ضمن اتفاقيات تهجيرٍ نُقِل أهلها عبر ما بات يعرف بـ"الباص الأخضر" إلى الشمال، ومع كلّ حملة نزوح كان السوريون يؤكدون أنّ ما بنَته الثورة بينهم أكبر من اختزاله بالقيود التي تكبّل الفصائل العسكرية، واتّخذ شكل التكاتف بينهم حملات إعلامية وإغاثية نُصرةً للمناطق المنكوبة.. بلودان والزبداني.. حلب.. حمص.. ثم لاحقاً الغوطة وجنوب دمشق ودرعا... وأخيراً إدلب. مع كلّ حملة نزوح كانت الفرق الثورية الإغاثية تعمل لتخفيف وطأة النزوح عن أهلنا المهجرين، حتى جمَعَت في بعض الحملات الإغاثية مبالغ تصل إلى نصف مليون دولار. لكنْ وفي أكثر حملات النزوح قسوةً التي حدثَت لأهالي ديرالزور مِنْ قاطني الضفّة اليمنى لنهر الفرات (الشاميّة)، إبّان الحملة العسكرية الروسية الإيرانية للسيطرة على المحافظة من تنظيم داعش، بدا أنّ لا أحد يُبالي حقاً! ورغم تسليط الضوء إعلامياً على رحلة النزوح الشاقّة، التي اضطرّ فيها أهل الشرقية لمغادرة بلادهم تحت جحيم الطائرات وفوق ألغام داعش وعبر دوريّاته وحواجز قسد، على الأقدام أحياناً وعبر باديةٍ مات بعض الأهالي فيها عطشاً أحياناً أخرى، إلا أنّ أهالي الشرقية الذين شكّلوا آنذاك أكثر من 60% من مجموع المهجرين إلى الشمال لم يجدوا مخيماً واحداً يستقبلهم! بل إنّ الحملة الوحيدة لجمع تبرعات لإغاثتهم لم تصل إلى 10 آلاف دولار! وكان على "أهل الشرقية" أن "يَقلَعوا شوكهم بأيديهم" في الشمال المحرر، الذي قصدوه ظنّاً بأنهم سيجدون فيه من يواسيهم بفقدهم، حتى اضطرّ كثيرٌ منهم إلى العودة إلى مناطق قسد أو حتى المناطق الخاضعة لسيطرة النظام والإيرانيين، واقتصرت جهود إعانة من تبقّى على مبادراتٍ أهليّة لأهالي الشرقيّة من المغتربين. بالطبع لم يرَ أهالي المناطق الأخرى المهجّرة الورود في انتظارهم، لكنّهم وجدوا بعض المخيمات -على سوء أحوالها- وشيئاً من المساعدات التي تخفّف عبء التهجير، وهو ما لم يجده للأسف أبناء الشرق، الذي يؤمن أكثر أهله اليوم أنّ ما كان قبل الثورة لم ينقضِ ببدئها، وأنّ أهل الدير "ما لهم بچايات"

حي العرضي مدينة دير الزور - خاص

]]>
النظام يحاول إحياء البعث الميت في الحسكة http://ayn-almadina.com/details/4985/4985/ar 4985 date2020-02-22 18:59:17 ayn-almadina بعد عملية "نبع السلام"، شهدت المناطق التي تديرها "الإدارة الذاتية" تحولات كبيرة، كان منها اتفاق "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) والإدارة الذاتية مع النظام السوري، الذي حاول استعماله ليشمل أموراً إدارية وخدمية ولكنه فشل في...
النظام يحاول إحياء البعث الميت في الحسكة

النظام يحاول إحياء البعث الميت في الحسكة

رادار المدينة

بعد عملية "نبع السلام"، شهدت المناطق التي تديرها "الإدارة الذاتية" تحولات كبيرة، كان منها اتفاق "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) والإدارة الذاتية مع النظام السوري، الذي حاول استعماله ليشمل أموراً إدارية وخدمية ولكنه فشل في ذلك. لذلك ربما لجأ إلى أذرعه السياسية ليعيد إحياء تواجده الفعلي في محافظة الحسكة، ولعل أبرزها إعادة الاهتمام بفرع حزب البعث في المحافظة وتنشيط دوره السابق.  نشاطات البعث في الحسكة في مراجعة سريعة لصفحة حزب البعث العربي الاشتراكي – فرع الحسكة على موقع فيسبوك خلال الأشهر الماضية، يظهر شح نشاطات الحزب في المحافظة، وقد اقتصرت أخباره على الأبراج، حالة الطقس، ونصائح طبية، بالإضافة إلى كلمات "القائد المؤسس حافظ الأسد" ورئيس النظام الحالي بشار، وبعض الأخبار العسكرية في سوريا. عدا ذلك تندر أخبار نشاطات للحزب في المحافظة، كزيارة مسؤوليه للحزب إليها وبعض الدورات والندوات التي يقيمها، والتي يظهر من خلال تغطيتها قلة الحضور من "الرفاق البعثيين". إلا أنه في الفترة الماضية، ازدادت نشاطات الحزب وزيارات أعضاء القيادة المركزية للحزب، ولعل أهم تلك الزيارات تلك التي أجراها هلال هلال "الأمين العام المساعد للحزب" منتصف تشرين الثاني 2019، والذي اجتمع مع كوادر الحزب في المحافظة وأكد على "أهمية دور القيادات البعثية المتسلسلة في المرحلة المقبلة باختيار قيادات وكوادر ذات كفاءات وحيثيات اجتماعية وثقافية عالية" بعيداً عن المصالح والمحسوبيات الشخصية. عدا عن استجرار ذات العبارات الجوفاء عن "الاندماج بين قيادات الحزب والجماهير الكادحة". بعد شهر تبعته زيارة عضو القيادة القطرية ياسر الشوفي "لمتابعة والإشراف على انتخابات الشُّعب والفرق الحزبية في المحافظة" والتي استمرت من 12 إلى 16 كانون الأول. وذكر الشوفي خلال انتخابات شعبة ريف القامشلي والتي جرت في نادي "زهروبيان" في مدينة القامشلي خارج المربع الأمني، بدفع شباب المحافظة للالتحاق بجيش النظام. تنتشر في محافظة 9 شُّعب حزبية (شُّعبة مدينة الحسكة، وشعبة ريف مدينة الحسكة ورأس العين، وشُّعبة القامشلي، وشُّعبة ريف القامشلي، وشُّعبة رميلان، وشعبة المالكية، وشُّعبة الشدادي، وشُّعبة الجبسة) لكن معظم الانتخابات التي تخص تلك الشعب جرت في مدينة الحسكة والقامشلي. وبالإضافة إلى الشُّعب، هناك عدد كبير من الفرق الحزبية في القرى والبلدات والمدن في المحافظة، تختص كل فرقة بعمل معين، مثل فرقة المعلمين وفرقة الفلاحين وفرقة المهندسين وغيرها. نشاط البعثيين في ظل الإدارة الذاتي: خلال السنوات الماضية، سيطرت وحدات الحماية الكردية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي، الذي شكل الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، على معظم محافظة الحسكة باستثناء ثلاث نقاط عسكرية خارج المدن، والمربعين الأمنيين في مدينتي الحسكة والقامشلي حيث اقتصر وجود مقرات حزب البعث، أما البعثيون فقد تحول نشاطهم إلى نشاط سري ومتنقل والذي يشبه إلى حد كبير نشاط الأحزاب الكردية قبل 2011. فأصبح المنتسبون لحزب البعث يجتمعون في المنازل، ويدعون بعضهم البعض بشكل سري إلى الاجتماعات وجمع الاشتراكات، بعد أن خضعت جميع مقرات الحزب في المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام منذ 2012، لسيطرة قوات الحماية الكردية. ففي مدينة رأس العين على سبيل المثال، تحول مقر شعبة الحزب سابقاً إلى مقر لبيت الشعب، أحد مؤسسات الإدارة الذاتية. في هذا الصدد يمكن تصور الحسرة التي يبديها فواز الأحمد أمين الفرقة الحزبية في مدينة رأس العين على مصير مقرات الحزب وما آلت إليه، ويذكر في أكثر من مكان أن بعض "الرفاق كانوا يبكون في الاجتماعات لهذا الواقع". ويقول الأحمد حين يرتاح لمن يسأله عن مصير الفرقة الحزبية بعد كل تلك التغيرات التي طرأت على السوريين والمنطقة "كان هناك العديد من الأعضاء المنتمين للحزب، ولكن فقدنا معظم السجلات، لذلك قمنا بجلب أسماء الأعضاء بالحزب من فرع الحزب بالحسكة لجمع الاشتراكات منهم بشكل سري، وكذلك لمعرفة البعثيين الذين هم على تواصل أو عمل مع الإدارة الذاتية ليتم رفع تقرير به لتتخذ القيادة قرارها بشأنه" كما تحدث لعين المدينة أحد أصدقاء الأحمد. على أن التقارير بالطبع لم توفر الموظفين المزدوجين الذين حافظوا على وظائفهم لدى النظام وبالوقت ذاته توظفوا لدى الإدارة الذاتية. يستطرد الأحمد "أن العديد من الرفاق البعثيين كانوا يتجنبون الذهاب إلى دوائر الإدارة الذاتية لسبب عدم رغبتهم بتوقيع أو حمل ورقة صادرة عن الإدارة الذاتية ولا تحمل اسم الجمهورية العربية السورية". إما فيما يخص الأكراد البعثيين فيقول الأحمد "منذ رحيل البعث عن المنطقة لم يدفعوا الاشتراكات، وقمنا برفع تقاريرنا بهذا الخصوص، لذلك قامت القيادة بفصل قسم منهم". وعن أسباب انتساب الأكراد إلى البعث، فيقول جهاد (كردي من مدينة رأس العين، والده من أوائل المنتسبين إلى حزب البعث في المحافظة) أن انتساب الأكراد كان "من أجل الحصول على الوظائف وتسيير الأمور الحياتية. لكن رغم انتساب الأكراد إلى البعث إلا أنهم تعرضوا لكتابة التقارير من البعثيين العرب، فوالدي كتب به تقرير لأنه كان يتكلم الكردية مع المراجعين إلى مكتبه في مكان وظيفته". وفي حادثة طريفة، يروي اراس (31 عاماً من مدينة رأس العين، موظف سابق لدى مديرية مال رأس العين التابعة للإدارة الذاتية) عن توسطه لأحد البعثيين لقبوله في عمل تقدم إليه في الإدارة الذاتية. يقول "في البداية رفضت الإدارة الوساطة بحجة أنه بعثي وأبوه بعثي، ثم تم توظيفه، ولكن فيما بعد صار يكتب تقاريره إلى الإدارة الذاتية بي لأخذ مكاني. البعثي يحافظ على سلوكه بكتابة التقارير". وحول كتابة التقارير يتابع اراس "كان لدينا في الحي شخص مفروز يراقب الوضع في المسجد. كان يبدي تذمره من الحياة اليومية حتى يستدرج الأهالي للكلام. ورغم أنه كان دائماً من أوائل المتواجدين في المسجد، إلا أنه كان يصلي في الصف الثاني أو الثالث لمعرفة كل من يتقدم إلى الصف الأول، وبذلك يعرف الملتزمين الذين يقفون عادة وراء الإمام". علاقة حزب البعث بالأكراد والإدارة الذاتية والعكس: في شهر نيسان لعام 2017 حصلت العديد من التغييرات التنظيمية لحزب البعث خلال اجتماع القيادة القطرية للحزب برئاسة بشار الأسد، والتي نتج عنها وصول كرديين اثنين من مدينة عامودا إلى اللجنة المركزية للحزب في سابقة هي الأولى من نوعها، مقابل "الإشارة إلى الحقوق الثقافية للكرد تحت سقف سوريا الموحدة"، تصب في الإيحاء بأن الحزب لكل السوريين. وفي الحسكة، بقي الحزب يمارس نشاطه العلني والسري في مناطق الإدارة الذاتية، دون أي مواجهات بينهما عدا حوادث بسيطة، لعل أهمها اعتقال عبد الناصر الكركو عضو قيادة شُّعبة الحزب في مدينة الحسكة منتصف عام 2017 قبل أن يطلق سراحه بعدها بساعات. أما الإدارة الذاتية فقد بررت وجود الحزب ضمن مناطق سيطرتها أنه "يتقوقع على نفسه"، ويقتصر وجوده في المربعات الأمنية التي هي بالأصل خارج سيطرة الإدارة. ورغم اقتصار تواجد النظام في المربعات الأمنية وبعض القطع العسكرية وتضيق الإدارة الذاتية على البعثيين في مناطقها، إلا أنه لم تعمل على اجتثاث البعث، وقد ذكر رياض درار الرئيس المشترك لمجلس سوريا في لقائه مع قناة رووداو الكردية بتاريخ 28-4-2017 أن "الإدارة الذاتية (أصدرت) قراراً يُلزم كل الأحزاب والتنظيمات بإصدار تراخيص للعمل بشكل نظامي، وأعتقد أن على حزب البعث إصدار ترخيص قبل غيره".  البعثي قديماً وحديثاً ربما ما زال الكثير من السوريين يحتفظون بصورة عن "الرفيق البعثي" وهو يرتدي بذلة "سفاري" بصلعة يحاول تغطيتها بشعر جانبي رأسه، أما إذا كان لديه شعر في أعلى رأسه فيشترك مع رفاقه الباقين بتسريحة خاصة، تتردد في حديثه كلمات من معجم إيديولوجي قديم، ويسمي حافظ الأسد بالقائد الخالد، وبشار الأسد بسيادة الدكتور بشار حافظ الأسد بحرص واضح على ذكر اسم حافظ. في حين يشابك أصابع يديه، أو يطابق بصماتها جاعلاً من كل إصبعين رقم ثمانية (8). على أن الكثير من ذلك تغير اليوم، فالبعثي الجديد يلبس بناطيل الجينز ويملك تسريحة شعر عصرية. لكن الجيلين ما يزالان يحافظان على تقديس رمزية حافظ الأسد "الأب المؤسس"، و"الرفيق المناضل الدكتور بشار حافظ الأسد"، إلى جانب إثبات الثلاثية المقدسة "جيش باسل، شعب صامد، قائد حكيم"، كما يلاحظ البعض  

]]>
سوريات من ذوي الاحتياجات الخاصة يروين ظروفهن الجديدة في تركيا http://ayn-almadina.com/details/4986/4986/ar 4986 date2020-02-23 19:01:54 ayn-almadina "أريد أن أتزوج، من حقي أن أُحِبَّ وأُحَبّ وأعيش الفرح بكل تفاصيله"، بهذه الكلمات بدأت سماء تروي معاناتها، فهي في سن الزواج، لكن أهلها يرفضون فكرة ارتباطها بالمطلق، لأنهم يخافون عليها من الفشل بسبب إعاقتها الجسدية ومن الوقوع بأيدي زوج لا يصو...
سوريات من ذوي الاحتياجات الخاصة يروين ظروفهن الجديدة في تركيا

سوريات من ذوي الاحتياجات الخاصة يروين ظروفهن الجديدة في تركيا

رادار المدينة

"أريد أن أتزوج، من حقي أن أُحِبَّ وأُحَبّ وأعيش الفرح بكل تفاصيله"، بهذه الكلمات بدأت سماء تروي معاناتها، فهي في سن الزواج، لكن أهلها يرفضون فكرة ارتباطها بالمطلق، لأنهم يخافون عليها من الفشل بسبب إعاقتها الجسدية ومن الوقوع بأيدي زوج لا يصونها أو يجرح مشاعرها. سماء فتاة من محافظة ريف دمشق، عمرها 22 عاماً، ولديها إعاقة حركية تمنعها من المشي وتجبرها على التنقل على كرسي متحرك. تعيش حالياً منذ أعوام في مدينة غازي عنتاب التركية، ورغم إعاقتها فهي مؤمنة بأنها تستطيع أن تكون مؤثرة وصاحبة رسالة في المجتمع، كما تعتبر أنه يقع على عاتقها مساعدة غيرها من البنات السوريات من ذوي الاحتياجات الخاصة اللواتي يعشن خارج الأضواء ولا أحد يعلم بأوضاعهن. تُمضي سماء معظم وقتها في المنزل مع أهلها الذين لا يبخلون عليها بالرعاية والحب والاهتمام، وتعتقد أن طريقة التعاطي مع ذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع السوري لا تزال متخلفة وخاصة مع الإناث، إذ إن الأهل يخجلون من بناتهم من ذوي الاحتياجات الخاصة، ما يؤدي إلى سلبهن حقوقهن حتى وإن كان ذلك عن غير قصد بداعي قلة الوعي. تقول سماء لـعين المدينة: "تعتبر عائلتي استثناءً في المجتمع السوري، إذ إن معظم الأهالي يتعاملون مع أبنائهم من ذوي الاحتياجات الخاصة وكأنهم وصمة عار، ويكون الموضوع أكثر إحراجاً فيما لو كان الشخص المعني أنثى، فيخجلون منها ويحرمونها من أبسط حقوقها، وغالباً ما يحبسونها في المنزل، خشية من نظرة المجتمع والتعليقات التي لا ترحم" على حدّ تعبيرها. إحصائيات للأمم المتحدة أكدت أن نحو 3 مليون سوري باتوا منذ اندلاع الثورة من ذوي الاحتياجات الخاصة، وبحاجة لدعم ومساندة وإدماج في المجتمع. ويعيش في تركيا حالياً ما يزيد عن 3'5 مليون سوري وفقَ البيانات الرسمية، يتوزعون على مختلف المحافظات التركية، لكن المثير للدهشة أنه قلما يُشاهد في الشوارع أو خلال الفعاليات وأنشطة المجتمع المدني السورية، أشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة لا سيما من الإناث، على الرغم من أن الكثير من المعلومات تؤكد وجود عدد كبير منهم في تركيا يبقون خارج الحياة العامة. وعند سؤال سماء حول عدم تواجد بنات من ذوي الاحتياجات الخاصة في الأماكن العامة، أجابت "أعرف الكثير من الأهالي الذين يحظرون على بناتهم من ذوي الاحتياجات الخاصة الخروج من المنزل، كما يمنعنهن من شراء ملابس جديدة ووضع المكياج، إذ يعتبر الأهل أنهم بهذه الطريقة يحمون بناتهم من التفكير بالحب والارتباط"، وهو ما عدته ظلماً كبيراً. وأردفت سماء "الظلم في المجتمعات السورية يطال ذوي الاحتياجات الخاصة من الذكور والإناث على حد سواء، لكن ظروف الشبان قد تكون أفضل لأن العادات والتصورات في الفكر الشرقي تحمي الذكر وفق منطق الشب لا يعيبه شيء، إلا أن الجور الواقع على البنات يكون أكبر، لأن كل أفراد العائلة عادة يتحكمون بالفتاة ما يجعلها غير قادرة على التمرد على أهلها وظروفها لأنها مجردة من الحماية كونها من ذوي الاحتياجات الخاصة". وتابعت قائلة بأسى "من يعلم، ربما العديد من الفتيات من ذوي الاحتياجات الخاصة يتعرضن للتعنيف الجسدي والنفسي من قبل أقرب الناس لهن (أهلهن) لكن لا أحد يدري بهن". من يحمي "ذوات الهمم"؟ تنتشر في العديد من الولايات التركية التي يتواجد فيها سوريون بكثرة جمعيات ومنظمات ترعى السوريين من ذوي الاحتياجات الخاصة وتقدم لهم الدعم الاجتماعي والطبي. لكن عمل هذه الجمعيات يقتصر على تقديم الخدمة لمن يطلبها فقط، ولا يتعداه إلى إجراء بحوث ميدانية حول توزع السوريين من ذوي الاحتياجات الخاصة وظروف المتواجدين في منازلهم الذين لا يعرف عنهم المجتمع شيئاً ولا يستطيع أحد مد يد العون إليهم. ووفقَ سماء فإن الظروف في تركيا مواتية للأشخاص المبادرين الذين حالفهم الحظ بأهل متعاونين وأسرة داعمة، لكن عندما يكون الأهل غير متقبلين وسلبيين في تعاملهم مع أبنائهم وخاصة بناتهم من هذه الفئة، فإن الفتاة من هذه الشريحة لن تتمكن مع الأسف من حماية نفسها أو تحسين ظروفها، وستكون أشبه "بالمعتقلة". أما حول طريقة رصد الأهالي ممن لديهم أبناء أو بنات من ذوي الاحتياجات الخاصة في تركيا وجاهلين بحقوقهم وكيفية التعامل معهم، فلم تتمكن عين المدينة من الوصول إلى إجابات شافية بهذا الشأن، واقتصر الأمر على بعض الإيضاحات من ذوي الخبرة الذين يشرحون أن السوريين في تركيا يعيشون ظروفاً قاسية من الناحية المادية وفرص العمل، ما يجعل أعباءهم مضاعفة ويحول دون اتخاذهم خطوات إيجابية في حياتهم وحياة أولادهم، فضلاً عن الجهل بمقدرات ذوي الاحتياجات الخاصة والتصورات الخاطئة عنهم. في هذا الصدد تؤكد سماء أن "ذوي الهمم" رافضة تسمية ذوي الاحتياجات الخاصة "لديهم همة عالية وطاقة كبيرة وهم قادرون على الاعتماد على أنفسهم لو توفرت لهم ظروف معقولة نسبياً". ظروف جيدة لذوي الاحتياجات الخاصة في تركيا تقول سماء "تحسن نشاطي في تركيا التي يوجد فيها اهتمام بذوي الاحتياجات الخاصة، في حين أن هذه الفئة كانت مهملة للغاية. في تركيا ترى الفتيات من ذوي الاحتياجات الخاصة يتجولن في الشوارع، ويحصلن على التعليم وفرص العمل وهذا أمر مألوف جداً". وفي هذا السياق، أكدت والدة سماء أن "ظروف ابنتها النفسية تحسنت في تركيا، وحصلت على دورات مهنية وتأهيلية، كما أنها بدأت تعمل مع إحدى المنظمات السورية المعنية بذوي الاحتياجات الخاصة من السوريين في تركيا"، وهو ما عدته تحولاً كبيراً في حياتها. واعتبرت أن اعتماد سماء على نفسها من الناحية الاقتصادية جعلها تشعر بالقوة والثقة بالنفس، وهي تعدّ نفسها من المحظوظات القلائل اللاتي حصلن على فرصة عمل في تركيا، لأن فرص العمل بالنسبة إلى هذه الفئة تعتبر ضئيلة جداً، ناهيك عن الصعوبات المرتبطة بظروفهن الشخصية واللوجستية لجهة القدرة على الحركة وتدبير أمر مغادرة المنزل واستخدام المواصلات. أميمة الحامدي (20 عاماً)، فتاة سورية حلبية مقعدة منذ كانت في الخامسة من عمرها، لكنها تمكنت رغم ذلك من الحصول على شهادة الثانوية العامة في سوريا. وعندما انتقلت إلى تركيا انتسبت إلى فريق مناصرة لذوي الاحتياجات الخاصة، كما عملت أيضاً مع منظمة سورية مختصة بدعم ذات الفئة، وساعدها انفتاح أهلها ومساندتهم لها في الوصول إلى هدفها بتطوير عملها والتحول إلى الفاعلية والإنتاج. تؤكد لعين المدينة أن ظروف ذوي الاحتياجات الخاصة في تركيا أفضل مما هو في سوريا. وتضيف في هذا الإطار أن "الدولة التركية تولي اهتماماً ملحوظاً بهذه الفئة، وإذا كان الوصول إلى هذه المزايا سهلاً بالنسبة إلى التركيات، يتوجب على السوريات بذل جهد مضاعف للوصول إلى أهدافهن. ومع ذلك فإن التربة خصبة في تركيا أمام كل فتاة سورية لديها رغبة بأن تطور نفسها إذا كان أهلها متفهمين ومشجعين". وتتفق أميمة مع سماء بأن الاحتياجات العاطفية والنفسية للفتيات من ذوي الاحتياجات الخاصة تكاد تكون مهملة كلياً في المجتمعات السورية، وهو أمر بحاجة لدراسة ومتابعة ومحاولة وضع حلول. إلا أن الفتيات اللواتي يواجهن مصاعب متعلقة بالحقوق الرئيسية كالخروج من المنزل والتعلم هن الفئة الأكثر إلحاحاً وبحاجة لدعم ومساندة فوريين، والبداية تكون بالتعرف عليهن وعلى ظروف عوائلهن

مركز سند  

]]>
ديرالزور من الذاكرة.. نشوء الاتجاه الإسلامي في دير الزور وتشكل جماعة الإخوان المسلمين (1) من (7) http://ayn-almadina.com/details/4988/4988/ar 4988 date2020-02-24 18:37:34 ayn-almadina لا تختلف الظروف التي ظهر فيها الاتجاه الإسلامي في دير الزور عما كان عليه الحال في مدن أخرى، مع الأخذ بالاعتبار حداثة المدينة وقرب عهدها بالنمو والاستقرار، وبالتالي افتقارها إلى المدارس والمعاهد العلمية الإسلامية، بالإضافة إلى قلة أعداد العلماء الذين ...
ديرالزور من الذاكرة.. نشوء الاتجاه الإسلامي في دير الزور وتشكل جماعة الإخوان المسلمين (1) من (7)

ديرالزور من الذاكرة.. نشوء الاتجاه الإسلامي في دير الزور وتشكل جماعة الإخوان المسلمين (1) من (7)

ديرالزور من الذاكرة

لا تختلف الظروف التي ظهر فيها الاتجاه الإسلامي في دير الزور عما كان عليه الحال في مدن أخرى، مع الأخذ بالاعتبار حداثة المدينة وقرب عهدها بالنمو والاستقرار، وبالتالي افتقارها إلى المدارس والمعاهد العلمية الإسلامية، بالإضافة إلى قلة أعداد العلماء الذين عرفتهم المدينة وأريافها حتى عهود متأخرة. في تلك الظروف نشأ الاتجاه الإسلامي، وتأثر بما حوله من أحداث وصراعات سياسية وثقافية، وكان على صلة باسطنبول عاصمة الخلافة، وبمصر مركز الثقافة والنهضة العربية آنذاك، ومعلوم أن الشيخ حسين الأزهري (العراقي الأصل) قدم من مصر بعد جولة طاف خلالها على بلدان عدة، قبل أن يستقر في دير الزور ويستأنف نشاطه العلمي فيها. شيخ آخر قدم من العراق وهو أحمد الراوي الكبير، الذي استقر في المدينة ونشط فيها، وكان ذا نزعة صوفية، بخلاف الأزهري السلفي النزعة، والذي تأثر على ما يبدو بالاتجاهات الإصلاحية التي كانت على أشدها في تلك الفترة بمصر والشام. ظهر في تلك الفترة علماء آخرون، بعضهم تتلمذ على الشيخ الأزهري، من بينهم حسين الرمضان ومحمد سعيد العرفي وعبد القادر ملا حويش وجعفر الرحبي. غلب الاتجاه المشيخي في دير الزور على غيره، ونظراً للعزلة التي فرضها الشيخ حسين الأزهري، فقد اقتصرت نشاطاته على الدروس الفردية والمجموعات الصغيرة، وتخرج على يديه شخصيات كثيرة أشرنا إلى بعضها. الشيخ حسين رمضان كان ممن تركوا أثراً كبيراً في نفوس أبناء ذلك الجيل، وتلقى عليه الكثير من التلامذة والشباب التربية والتوجيه والفقه والتمسك بأهداب الإسلام وأحكامه، وله العديد من المؤلفات. أما الجيل الثاني ممن تخرج على أولئك العلماء، فقد تولوا الخطابة وتدريس العلوم الإسلامية، وكانوا مُقلين في ذلك، لكنهم نشطوا بقوة في فترة الصعود الإسلامي في السبعينات وما بعدها. تطور الاتجاه الإسلامي في سوريا: كانت دمشق والقاهرة ومدن أخرى، تشهد نشاطاً فكرياً وسياسياً واسعاً منذ أواخر القرن التاسع عشر، ضمن حركة النهضة العربية، التي كان العلماء والمثقفون الإسلاميون في مقدمة قادتها ومؤسسيها. ارتكز البرنامج السياسي للإصلاحيين الإسلاميين منذ ظهورهم على مطالبة الدولة العثمانية بنظام لا مركزي يضمن للعرب حقوقهم في الحكم، ويجعل لغتهم في الولايات العربية لغة رسمية، وبموازاة ذلك الاهتمام بتحديث التعليم والثقافة، وحمايتها من أن تكون بوابة سياسية للغرب، وأن يكون في نفس الوقت وسيلة ترقٍّ وتقدم في سلم الاقتصاد والوظيفة. كان للإصلاحيين الإسلاميين تأثير واضح في بث الروح في الوعي الثقافي والاجتماعي والسياسي، وإحياء النفس العروبي من خلال التركيز على تعريب العلوم والتدريس باللغة العربية وإعطاء العرب دوراً أكبر في إدارات الولاية. واتسق هذا مع فكرة انبعاث الوعي القومي التي قادتها تيارات أخرى. يذكر محب الدين الخطيب أن عبد الرحمن الشهبندر اعتبر أن النهضة في دمشق بدأت دينية، وأن حلقة طاهر الجزائري وإخوانه سارت شوطاً أبعد فيها. ومع أن الإسلام ظل يمثل الإطار الأوسع الذي تجتمع عليه الرؤى والتطلعات، ويمثل خط الدفاع الأساسي ضد السياسات التوسعية الأوروبية، إلا أن عرى الوحدة السياسية لمجتمعات المنطقة انتقضت، مع نهاية الحرب الأولى وتفكك الدولة العثمانية، ولم يعد التضامن الديني يسيطر على الحياة الفكرية والاجتماعية للنخب السورية، وأصبح المجال مفتوحا أمام ولادة قوى جديدة وأفكار جديدة ومناخ نفسي جديد. عوامل الافتراق وهيمنة الاتجاه العلماني: دفعت القوى الجديدة باتجاه تحويل الحركة الوطنية إلى حركة سياسية، وظهر المحتوى العلماني كأحد خصائص القومية المميزة، والتي أيدتها الزعامات الوطنية المتتابعة والتي نمت منذ نهاية القرن التاسع عشر على حساب الولاءات الأخرى، ولاسيما الدين. وبدا هذا واضحاً في تعابيرها واصطلاحاتها، كما بدا واضحاً في معالجتها لقضايا عديدة من بينها دستور 1920. مع مجيء الانتداب الفرنسي، كانت مقاومة الاحتلال الهم المشترك الذي اجتمعت عليه جهود السوريين وتوجهاتهم، لكن الخلاف حول الإسلام ودوره في الحياة العامة استمر في الظهور، تغذيه سلطة الاحتلال نفسه، من خلال تدخلها في التعليم والأحوال المدنية والأوقاف الإسلامية، ومحاولة فرض قوانينها وتشريعاتها في الدستور السوري.  لاحقاً، أصبح دخول القادة والزعماء الوطنيين كشركاء سياسيين مع سلطة الانتداب، وقيادتهم للحكومات الوطنية، عامل قوة لتنفيذ أفكارهم ورؤاهم، وتقديم تصور بديل لدولة علمانية عربية مستقلة، قائمة على مؤسسات غربية، والابتعاد التدريجي عن المضامين الإسلامية. ظهور الجمعيات الإسلامية: ظهرت الجمعيات الإسلامية في المدن الكبرى لاسيما دمشق وحلب، ومن بينها على سبيل المثال، جمعية الشبان المسلمين بدمشق، ودار الأرقم بحلب، والرابطة الدينية بحمص، والشبان المسلمين في الساحل، وجمعية دار الأنصار في دير الزور. نشطت الجمعيات في المجالات الثقافية والتربوية، فأنشأت المدارس والمكتبات وأسست الفرق الكشفية، وانتشرت نشاطاتها بين صفوف العمال والفئات التي لم تحظ بفرص التعليم، وكان لها برامج ثقافية حافلة، ولاقت ترحيباً كبيراً في الأوساط الاجتماعية، حتى تجاوزت أعداد منتسبيها الآلاف. وكان في مقدمة أهدافها مقاومة الاحتلال الفرنسي ومنع التدخل في الشؤون الدينية والخصوصيات الثقافية للشعب السوري. جمعية دار الأنصار في دير الزور: تحدث عدنان سعد الدين في مذكراته عن نشوء مركز الأنصار في دير الزور، ونقل عن بعض إخوان دير الزور، ومن بينهم الدكتور حسن هويدي رحمه الله، "أن جمعية دار الأنصار أُنشئت في مطلع الأربعينيات ، وبالتحديد في عام 1941 على الأرجح، وكان أول رئيس لها هو الشيخ عبد الرزاق بن الشيخ حسين رمضان، ثم خلفه في رئاسة الجمعية الدكتور عز الدين جوالة، ثم أسندت رئاسة الجمعية بعده إلى الدكتور حسن هويدي، لتضيف اسم شباب محمد -صلى الله عليه وسلم- إلى اسم دار الأنصار أسوة بما حدث في الجمعيات الإسلامية الأخرى في المحافظات السورية التي نشأت فيها الجمعيات مثل حلب وحماة وحمص ودمشق". وكان من ضمن المؤسسين: الأستاذ أمين شاكر، والأستاذ أحمد صالح ملا عيسى، والشيخ عبد الجليل نقشبندي، الذي تحول لاحقاً إلى العمل في تكية الشيخ ويس المعروفة في دير الزور. ثم برز من الجيل الثاني في نشاط الجمعية الأستاذ أحمد الياغي والأستاذ حسين السحل وأحمد كدرو وغيرهم. يضيف عدنان سعد الدين: "كانت جمعية الأنصار إحدى الركائز التي تشكلت منها جماعة الإخوان المسلمين في سوريا ولبنان، فعندما بدأت اللقاءات بين قادة الجمعيات للبحث في دمجها، وإنشاء الجماعة الواحدة، مثّل دار الأنصار لأول مرة في اللقاء الذي عقد في دار الأرقم -والأرجح أنه كان في عام 1944- الشيخ عبد الرزاق رمضان والدكتور حسن هويدي، وكانت القضية الفلسطينية تمر في أخطر مراحلها، فألقى قصيدة في ذاك اللقاء الشيخ عبد الرزاق يخاطب فيها القدس فقال:

لا تجزعن وإن جلت مآسينا     فالله في الملأ الأعلى يعزينا "وقد حضر هذا اللقاء الأستاذ سعيد رمضان مبعوثاً من الإمام حسن البنا، والبعض يشير أن الأستاذ سعيد رمضان حضر الاجتماع التمهيدي لقيام جماعة الإخوان في سوريا عام 1942". توسعت جمعية دار الأنصار في نشاطاتها لتشمل مدن المحافظات الشرقية، وعملت على نشر الدعوة الإسلامية، وإحياء المناسبات الدينية والتاريخية، والاهتمام بالفقراء والمحتاجين، والاعتناء بالأنشطة الرياضية للفتيان والشباب. واهتمت بالمساجد في كل الفروع، وأعادت الحياة إلى مساجد كانت متروكة، أو كانت العناية بها ضئيلة، وكان مسجد أبي عابد في دير الزور تحت إشراف الدكتور حسن هويدي يلقي فيه الخطب والمحاضرات، ثم تحول المسجد بعد ذلك إلى مقر لجمعية الأنصار وإدارتها في دير الزور. اضطلعت دار الأنصار في دير الزور، ولاحقاً الإخوان المسلمين، بمسؤولية كبيرة فاقت ما قامت به الجمعيات الإسلامية في المحافظات الأخرى، وكانت مسؤولة عن الدعوة الإسلامية في بقعة واسعة في سوريا ربما كانت تساوي ثلث مساحتها، وامتد نشاطها إلى الجزيرة والقامشلي، التي زارها مصطفى السباعي المراقب العام الأول للإخوان المسلمين. ويعترف عدنان سعد الدين بأن الإخوان قصروا كثيراً في التواصل مع منطقة الجزيرة، مع أنه كان لهم أنصار كثر فيها، وخاصة في القامشلي ورأس العين. وفي أحداث الثمانينات اعتقل العديد منهم ومكثوا سنوات طويلة في سجن تدمر.  الإخوان في دير الزور: دير الزور كانت أحد المراكز الستة الأولى التي تفرعت عن جماعة الإخوان المسلمين في سوريا، وقد نشطت الحركة طيلة الأربعينات والخمسينات، وتراجعت بعد الإعلان عن حل الإخوان رسمياً استجابة لطلب عبد الناصر كشرط لإتمام الوحدة بين مصر وسوريا. وبعد الانفصال لم يسترجع الإخوان وضعهم القانوني، إلا أنهم استمروا بالعمل دون عوائق، وعادوا لمشاركاتهم في الوزارة والبرلمان. بعد انقلاب 8 آذار تعرض الإخوان للتضييق والملاحقة كغيرهم من الأحزاب والتيارات السياسية، وتصاعدت نبرة الصراع بين الإخوان والسلطة على خلفية مسائل عديدة من بينها محاولة السلطة الهيمنة على الأوقاف الإسلامية، وتعديل مناهج التربية الإسلامية والتاريخ، ومحاولة إلغاء المعاهد الشرعية، وتكرار حالات الإساءة للقرآن الكريم، ونقل أعداد من المدرسين الإسلاميين إلى مناطق بعيدة. عام 1966، وضمن حملات ملاحقة السياسيين والتنكيل بهم، اعتقل المئات من الإخوان المسلمين في كافة المحافظات ومعهم كثير من الإسلاميين. وفي دير الزور اعتقل الدكتور حسن هويدي، وأعضاء مركز الإخوان فيها، وعدد من وجهاء الجماعة، منهم الأستاذ أمين شاكر ويوسف طلب، وزكريا يحيى الجابر، وصالح طعمة، والمهندس رمضان سبع، والصيدلي جابر طعمة، والشيخ محمود مشوح مفتي الميادين. أواخر الستينات، وعندما تصاعدت خلافات الإخوان فيما بينهم، كان مركز الدير من المراكز المحايدة، وحاول مع إخوان حماة رأب الصدع لكنهم لم يفلحوا في ذلك. ومنذ عام 1970 انقسم الإخوان إلى تنظيمين، أحدهما تقوده دمشق وعلى رأسه عصام العطار، والآخر تقوده حلب وعلى رأسه الشيخ عبد الفتاح أبو غدة. انقسم مركز الدير هو الآخر، فالتحق قسم بجماعة الأستاذ العطار يتقدمهم الدكتور حسن هويدي، والآخر مع جماعة أبو غدة وكان أكثرهم من الشباب، ولم تبرز بينهم شخصية كبيرة، والتحقت بهم مجموعة الميادين، التي برزت بقوة في تلك الفترة، وتأثرت كثيراً بالأفكار المنفتحة للشيخ محمود مشوح، الذي قاد نشاطاً قوياً في المنطقة، واشتهرت بها خطبه التي كان يحرص على حضورها الكثيرون من الدير ومناطق أخرى، وكانت أفكار الشيخ محمود وخطبه من العوامل القوية التي أثرت في الصعود الإسلامي في المنطقة، في فترة السبعينات.   معاذ السراج: من مواليد ديرالزور 1954 مهتم بتاريخ سوريا المعاصر والحركات الإسلامية، عضو في جماعة الأخوان المسلمين منذ 1973 عضو مجلس شورى وعضو مكتب سياسي سابقاً

]]>
الفن في خدمة حزب الله http://ayn-almadina.com/details/4989/4989/ar 4989 date2020-02-25 18:38:00 ayn-almadina اشتدت أزمة "حزب الله" نهاية عام 2018، عندما طُبق الحظر الفعلي على تصدير النفط الإيراني؛ لأن تمويل الحزب جاء بشكل أساسي من عائداته الضخمة. لذلك ليس من المستغرب أن يتحدث حسن نصر الله مراراً وتكراراً عن "الجهاد المالي" في خطبه، ويبدأ...
الفن في خدمة حزب الله

الفن في خدمة حزب الله

رأي

اشتدت أزمة "حزب الله" نهاية عام 2018، عندما طُبق الحظر الفعلي على تصدير النفط الإيراني؛ لأن تمويل الحزب جاء بشكل أساسي من عائداته الضخمة. لذلك ليس من المستغرب أن يتحدث حسن نصر الله مراراً وتكراراً عن "الجهاد المالي" في خطبه، ويبدأ في جمع الأموال لصندوق دعم مقاومته وقتله وتشريده للشعب السوري. من المعروف أن "حزب الله" أقام دويلة داخل لبنان بعد قضاء آل الأسد على فصائل المقاومة الفلسطينية؛ دولة لها عاصمتها وجيشها ومخابراتها وقوانينها الخاصة، لكنها تابعة وذيلية لأصحابها ملالي إيران الذي يعملون على تزويدها بمختلف أنواع الأسلحة والذخائر عبر دمشق، وتمويلها مادياً منذ تأسيسه عبر منحة سنوية، بدأت بـ 100 مليون دولار ووصلت حتى 700 مليون دولار في السنوات الأخيرة. لكن العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران ومليشياتها العابرة للحدود أدت إلى دخول هذه المنظمة الإرهابية نفق أسوأ أزمة في تاريخها.  وفقًا للخبراء، تم تخفيض المبلغ الإيراني بمقدار النصف، ما دفع المنظمة الإرهابية التي أنشأت إمبراطورية اقتصادية حقيقية في لبنان على بيع العقارات في موقعها الرئيسي في بيروت الجنوبية. ولأول مرة منذ 37 عاماً على وجودها، قللت بشكل كبير حجم المدفوعات لمقاتليها، وخفضت عدد الذين يخدمون بشكل دائم إلى الثلث، والاحتياطيين إلى النصف. في الوقت نفسه، تم إغلاق العديد من المؤسسات والهيئات التي تقدم المساعدة والإغاثة إلى المقاتلين وعائلاتهم، وإلغاء المزايا الاجتماعية، لاسيما السفر المجاني وتوزيع الأدوية دون مقابل. كما ضربت العقوبات الأمريكية آلة المنظمة البروباغندية، فقد تراجعت رواتب موظفي "قناة المنار" و"إذاعة النور"، وسُرح العشرات من الصحفيين والعاملين الفنيين. العزلة الاقتصادية الإيرانية والعقوبات المفروضة على طهران ليست السبب الوحيد لأزمة "حزب الله". الدعم المباشر الذي قدمه الحزب لنظام الأسد، منذ عام 2012، كلفه غاليًا. فقد أُنفقت مبالغ ضخمة على مغامرته السورية، والتي تحولت إلى خسائر كبيرة في صفوفه، واليوم لا تستطيع إيران تغطية هذه التكاليف. لم يكن لدى نصر الله أي أموال للوفاء بوعده حول تقديم الدعم المالي لعائلات أكثر من 2000 إرهابي من عناصره قتلوا في سوريا. هناك تقارير من لبنان تفيد بقطع المدفوعات أو تأخرها عن عائلاتهم، وبذهاب عناصر الحزب إلى لبنان في إجازات غير مدفوعة الأجر. ومع ذلك مازالوا منتشرين على طول وعرض الأراضي السورية المشبعة بالدماء التي سفكتها كراهيتهم، ويعملون على إنشاء منظمات رديفة دون الإعلان عن ذلك؛ ولا تزال الخطب العسكرية الرنانة عن الانتصارات الوهمية تأتي من أقبية "حزب الله"؛ لكن مسألة المواجهة مع إسرائيل قد أزيلت من جدول الأعمال، لأن فصول المسرحية العبثية اختلفت في التوليفة الطائفية للمخرج الإيراني. أُجبر الحزب الذي أصبح على وشك الإفلاس على الصراع من أجل البقاء؛ وحاول تمويل نفسه بطرق مختلفة؛ فمن تجارة المخدرات والأسلحة، مروراً بتجارة الأحجار الكريمة، وصولًا إلى تجارة الآثار والقطع الفنية. في الآونة الأخيرة ظهر اسم ناظم سعيد أحمد على السطح كأحد ممولي "حزب الله" الأساسيين، بعدما فرضت وزارة الخزانة الأمريكية، في 13 كانون الأول 2019، عقوبات على ثلاثة لبنانيَّين، بسبب قيامه بغسل الأموال عن طريق الفن، ومن ثم إحضارها شخصياً إلى أمين عام الحزب حسن نصر الله. أحمد ابن عائلة ثرية تدير شركة مزدهرة بتجارة الماس، ويملك عدة شركات في بلجيكا والكونغو الديموقراطية وغيرهما من البلدان، قدمت مساعدات وتبرعات ودعم لوجستي إلى "حزب الله" بشكل دائم. يعتبر قيادياً سابقاً في الحزب، ويرتبط بعلاقات جيدة مع مموليه المعروفين قاسم تاج الدين ومحمد بزي. كذلك ضلع في تجارة المعادن الثمينة وتهريب الماس، حتى عرف هذا النوع من تجارته مجازياً بـ "ماس الدم". يعيش في بيروت، حيث يملك صالة فنية كبيرة، ويقتني مجموعة ضخمة من اللوحات والتمائيل لأشهر الرسامين والنحاتين العالميين - بيكاسو، جان ميشيل باسكيات، آي ويوي، توماس هيثرفيك، مارك كوين... - يقدر ثمنها بملايين الدولارات! حسب شهود عيان فإن جدران صالته في بيروت مكتظة باللوحات من الأعلى وبالتماثيل من الأسفل. كذلك ذُكر عن وجود علاقات وثيقة له مع بعض الفنانين ومالكي الصالات في سورية المحسوبين على آل الأسد، حيث يقوم بالترويج لأعمالهم في لبنان وبلدان أخرى! لا يخفي ناظم أحمد شغفه المزور هذا على أحد، إذ يقوم بتحميل صور كنوزه الفنية بشكل دائم على تطبيق الانستغرام، حيث لديه 163 ألف زائر منتظم.. لقد اختار الفن كغطاء لعمله الأساسي باعتباره سمة الناس الراقين البعيدين كل البعد عن الشبهات بقدراتهم على غسل الأموال وتمويل منظمات إرهابية متهمة بقتل وتشريد الأبرياء والمدنيين، لاسيما في دولة مجاورة كسوريا! منذ فترة ليست بعيدة يدور نقاش في عالم الفن حول مدى قدرة هذا المجال على غسل الأموال، لاسيما وإن لديه نقاط ضعف كثيرة وواضحة تمامًا للعيان: لا يمكن التحكم في معظم المعاملات التجارية الفنية التي يتم إبرامها، ولا يتم الكشف عن هويات البائعين والمشترين، ولا حتى أماكن تواجدهم. تكلفة الأعمال الفنية تقديرية نسبية في طبيعتها، لذلك من السهل تضخيمها حسب الحاجة، مما يسمح بنقل مبالغ مالية كبيرة للغاية. إضافة إلى المضاربات، وانتشار الأعمال المزورة... لكن بعضهم ينكر بشكل قاطع أن تكون المعاملات المشبوهة ذات طبيعة شائعة في عالم الفن، وأن الأمر مضخم إلى حد ما ولا يرقى أن يصل إلى ظاهرة دائمة. وزارة الخزانة الأمريكية لا توافق على هذا. وفقًا لمسؤول بارز مهتم بتمويل المنظمات الإرهابية يدعى مارشال بيلينجسلو، فإن اقتناء وبيع الأعمال الفنية يعد "نظاماً معروفاً للتحويلات المالية غير القانونية". وأضاف في هذه الحالة عن ناظم: "لدينا الراعي الاقتصادي لحزب الله، الذي ينقل إليه جزءاً كبيراً من عائداته غير القانونية من خلال التجارة في الماس الدموي؛ والذي يتم غسله من خلال عالم الفن، مما يسمح له بإخفاء معظم صفقاته. هذه طريقة معروفة للالتفاف على النظام الاقتصادي الرسمي". لذلك فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات شديدة على تاجر الماس أحمد، الذي -وفقاً لها- "قام بغسل الأموال من خلال صالته في بيروت، حيث يملك مجموعة لوحات ضخمة تضم أعمالاً للفنان الشهير بيكاسو". ويعد أحمد أحد "المانحين البارزين لحزب الله"، وهي منظمة معترف بها في الولايات المتحدة على أنها "إرهابية". وذكر بيان صحفي صادر عن وزارة الخزانة الأمريكية أن أحمد استخدم معرضه في بيروت كشاشة لغسل الأموال، وكنوع من الملاذ الضريبي "في محاولة لتجنب آثار العقوبات الأمريكية". رفض ناظم سعيد أحمد التعليق على العقوبات المفروضة عليه، رغم أنه في الماضي نفى التقارير المنشورة حول ارتباطه بـ "حزب الله". وهو حالياً موضوع على القائمة السوداء ولا يمكنه الدخول في معاملات تجارية مع أطراف عديدة، إن كان ذلك داخل الولايات المتحدة أو خارجها. شددت الإدارة الأمريكية في الآونة الأخيرة من قبضتها على قنوات تمويل الإرهاب، وأغلقت حسابات بنكية لرجال أعمال مدانين بنقل الأموال إلى "حزب الله"، وتم اعتقال العديد من رعاة المنظمة والممولين المتورطين في غسل الأموال لصالح نصر الله. إن السياسة الأمريكية المتمثلة في الخنق الاقتصادي لإيران ومنظماتها الإرهابية الداعمة لمشاريعها الإقليمية لا تؤتي ثمارها فحسب، بل تتمتع أيضاً بدعم جاد في العديد من بلدان منطقة الشرق الأوسط. إضافة إلى أن الإجراءات العقابية الأمريكية قد أوقفت حركة أموال أركان نظام الأسد وحدّتْ من قدراتهم المصرفية الدولية، لاسيما في لبنان الذي اعتبر لفترة طويلة الملاذ الآمن لثرواتهم المسروقة من قوت الشعب السوري. في النهاية، هل يمكننا أن نأمل بأن تؤدي هذه السياسة إلى استنزاف "حزب الله" نهائياً، والحد من فاشيته ودعمه لعصابة آل الأسد، وإخراجه من الأراضي السورية؟ هل سيساعد قانون قيصر، بعد أن يدخل حيز التنفيذ، بضرب جيب نصر الله ولوي ماسورات أسلحة حزبه العديدة؟... نأمل ذلك  

]]>
أشعر بالقنوط من أولئك الذين يبكون على قاسم سليماني http://ayn-almadina.com/details/4990/4990/ar 4990 date2020-02-26 19:05:22 ayn-almadina تشارلز لولي* 9 كانون الثاني عن مجلة The Spectator البريطانية ترجمة مأمون حلبي بعد بضع ساعات من بداية العام الجديد، استهدفت القوات الموالية للأسد مدرسة في جنوب إدلب بقنبلة عنقودية. وقع القصف في الساعة 11 صباحاً، حين كان من الواضح أن المدرسة ستكون...
أشعر بالقنوط من أولئك الذين يبكون على قاسم سليماني

أشعر بالقنوط من أولئك الذين يبكون على قاسم سليماني

ترجمة

تشارلز لولي*
9 كانون الثاني عن مجلة The Spectator البريطانية
ترجمة مأمون حلبي
بعد بضع ساعات من بداية العام الجديد، استهدفت القوات الموالية للأسد مدرسة في جنوب إدلب بقنبلة عنقودية. وقع القصف في الساعة 11 صباحاً، حين كان من الواضح أن المدرسة ستكون ممتلئة بالطلاب، وكانت الحصيلة مقتل خمسة أطفال. كانت أعمار اثنين من الضحايا ست سنوات، وأكبر الأطفال الضحايا كان عمره فقط 13 عاماً. بالإضافة إلى الأطفال الخمسة، قُتِل أربع أشخاص راشدين. أبداً لن يُفارق مخيلتي وجها يحيى وحور، الطفلين البريئين بعمر ست سنوات، اللذين كانا من ضمن الأطفال الضحايا الذين كانوا يدرسون – وماتوا – في المدرسة التي تُديرها المنظمة التي أعمل لصالحها. ليست هذه أول مرة تُدمّر فيها إحدى مدارسنا. في الحقيقة، تم قصف ست من مدارسنا في الشهور الستة الأخيرة، وليكن بمعلومكم أن هذه حملة قصف واضحة ومنظمة ضد مدارسنا. رغم ذلك، ومع دخول الحرب الأهلية في سوريا عامها التاسع، يبدو ردُّ الفعل على هذه الجرائم الفظيعة خافتاً. عوضاً عن ذلك، يظهر أنه يتم توجيه الغضب إلى مكان آخر. بعد يومين من الهجوم على مدرستنا الذي حصل في أول أيام السنة الجديدة، قُتِل قاسم سليماني، الجنرال الإيراني، بضربة جوية أمريكية قُرب مطار بغداد. كثيرون من أصدقائي تملكهم غضب شديد من هذا العمل. لكن لماذا؟ هل كانوا قلقين من التأثير الذي سيخلفه قتله على المنطقة؟ لا، لأنهم لم يكونوا قد سمعوا باسم سليماني إلى أن ذاعت أخبار مقتله. كانوا لا يعرفون شيئاً يُذكر عن نفوذه وتأثيره في سوريا ولبنان والعراق واليمن وأماكن أخرى بعيدة. كانوا غاضبين لأن موته نتج، بكل بساطة، عن قرار اتخذه دونالد ترامب. ترامب شخص سيء، لذا كان مقتل سليماني أمراً سيئاً – هكذا بدا المنطق الذي يعتمدون عليه.  قلة قليلة أولوا انتباهاً للجرائم ضد الإنسانية التي يُتهم بها سليماني. عقب مقتل سليماني تحول كثير من أصدقائي على الفيسبوك إلى خبراء في السياسة الخارجية، متنبئين بأن الحرب العالمية الثالثة لا مفر منها. قالوا بأن الأمر برمته كان غلطة ترامب. ارتفعت وتيرة الحماس لديهم بعد عملية الرد الإيراني ضد القواعد الجوية الأمريكية. لا تُسيئوا فهمي هنا، أنا لست من أنصار ترامب. لو كان لديّ ما يكفي من الوقت والمال مع التزامات أقل لركبت الطائرة وتطوعت لصالح حملة جو بايدن أو بيت بوتيغيغ.  آمل شديد الأمل أن يخسر ترامب انتخابات تشرين الثاني القادم. كان العالم سيكون مكاناً أفضل لولا وجود ترامب في البيت الأبيض. لكن لنبتعد عن رسم أي تماثل زائف بين ترامب وسليماني. ما يُثير غضبي هو نفاق أولئك الذين يرفعون أصواتهم بخصوص عدم عدالة قتل سليماني، ومع ذلك يبقون هادئين عندما يتعلق الأمر بقصف الأسد العشوائي على الأطفال.  وفي حين كان منتقدو ترامب مشغولين بالشكوى من تجاوزاته، ماذا عن الإبادة الفعلية التي تُرتكب بحق المسلمين الروهينغيا في ميانمار؟ وعمليات السجن الجماعية في معسكرات الاعتقال للمسلمين الإيغور في الصين؟ والعنف الموافق عليه حكومياً ضد المحتجين المناصرين للديمقراطية في هونغ كونغ وفنزويلا وروسيا؟ 
مع ذلك، عندما يزور ترامب لندن –أو يأمر بموت شخص شرير– لا يوجد نقص في أعداد الناس الذين يريدون الاحتجاج. أما في سوريا، فالموقف من قصف مدرستنا التالية مشروط. عندما سيحصل الأمر المحتّم، يبدو أن عدداً أكبر من الناس سيغضبون لو كان ترامب هو المسؤول وليس بشار الأسد. ويبدو أن ديكتاتور سوريا لديه بطاقة مرور مجانية من كثير من الناس على وسائل التواصل الاجتماعي، بخلاف رئيس الولايات المتحدة المنتخب ديمقراطياً. هذا الموقف هو انعكاس محزن لنفاق أولئك (وهم بأغلبهم ينتمون لليسار البريطاني) الذين كانوا فيما مضى في طليعة المحتجين على المظالم العالمية، من نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا والمجاعة في أثيوبيا إلى حرب العراق. أما الآن، فيبدو أن شهيتهم لتنظيم حملات ضد عمليات القتل بحق المدنيين الأبرياء –المرعية من قِبل الدولة– دون ردّ عقابي، هذه الشهيّة قد تبخّرت وحلّ محلها غضب من فوز أمثال ترامب بالانتخابات. منذ مقتل الطفلين يحيى وحور في الأول من كانون الثاني والغضب يعتمل في داخلي. في سوريا، الأطفال يموتون، مع ذلك يتعامى الكثيرون عما يحدث هناك. وعوضاً عن ذلك، يوجهون غضبهم الهائج إلى ما يشجبه جيرمي كوربن على أنه "القتل الطائش وغير القانوني للجنرال الإيراني فاسم سليماني".  لنُعفي أنفسنا من البكاء على سليماني. عوضاً عن ذلك، فلنبكي على 370 ألف شخص قُتِلوا حتى الآن في الحرب الأهلية الدموية الدائرة في سوريا.   *تشارلز لولي: يعمل لصالح منظمة غير حكومية معنية بالمساعدات الإنسانية

]]>
العراق.. الحلقة الأضعف في الطوق الإيراني http://ayn-almadina.com/details/4991/4991/ar 4991 date2020-02-27 19:09:19 ayn-almadina لأشهر قليلة مضت اعتقد الكثير من متابعي ما يحدث في الشرق الأوسط، أن الطوق الإيراني الذي بدأ من طهران قد أكمل حلقاته: طهران فبغداد التي أصبحت مركزاً لتحقيق سياسات إيران في العالم العربي عبر طبقة سياسية تتبع على المستوى العقائدي لإيران، وعلى المستوى الس...
العراق.. الحلقة الأضعف في الطوق الإيراني

العراق.. الحلقة الأضعف في الطوق الإيراني

صياد المدينة

لأشهر قليلة مضت اعتقد الكثير من متابعي ما يحدث في الشرق الأوسط، أن الطوق الإيراني الذي بدأ من طهران قد أكمل حلقاته: طهران فبغداد التي أصبحت مركزاً لتحقيق سياسات إيران في العالم العربي عبر طبقة سياسية تتبع على المستوى العقائدي لإيران، وعلى المستوى السياسي لمركز صنع القرار في طهران. وفي سعيها لإتمام الطوق، والذي بدا واضحاً أنه قد جعل من بيروت -وباتمام حزب الله سيطرته عليها سياسياً وأمنياً- الحلقة الأخيرة، قبل أن تحكم السيطرة على دمشق بشكل شبه كامل. وذلك ترجمة لأحلام تصدير الثورة إلى دول الجوار، ومن ثم نقل التجربة الإيرانية إلى العواصم المحيطة من خلال إنشاء طوق اقتصادي سياسي واجتماعي على شكل "هلال شيعي" يعتمد على التبعية الدينية بالدرجة الأولى لتحقيق أهداف قومية واقتصادية بلبوس ديني. فبحث إيران عن منفذ لها على المياه الدافئة بعيداً عن الخليج المتوتر والمراقب من قبل العين الأمريكية، وكذلك البحث عن طريق لتبادل السلع التجارية والزراعية مع دول حوض البحر المتوسط عن طريق موانئ بيروت واللاذقية وطرطوس، جعل من تدخلها في سوريا أمراً حتمياً لا مهرب منه. لذلك يمكن وضع تلخيص للهدف الأبرز لإيران في سوريا بإنشاء طريق بري يبدأ من بغداد عبر الحدود السورية (معبر البوكمال الحدودي) والبادية السورية وصولاً لدمشق ومن ثم بيروت واللاذقية، وذلك من أجل تصدير النفط والغاز الإيراني عبر تلك الموانئ. هذا الهدف كان أيضاً تحت أنظار الأمريكيين في المنطقة، والذين حتى وإن لم يتدخلوا بشكل مباشر، إلا أن الغارات التي كان يشنها التحالف الدولي والإسرائيليون هدفها هو القضاء على هذا المشروع، خاصة مع قيام الإيرانيين بإنشاء قواعد لتعزيز تواجدهم على الحدود العراقية السورية بالقرب من مدينة البوكمال، حيث أنشأت إيران "قاعدة الإمام علي" وحولت مطار الحمدان غرب المدينة لقاعدة لها. الضربة الأبرز للمشروع الإيراني لم تأت من سوريا حيث النزاع لا يزال في أعلى مستوياته، بل جاء من الشعب العراقي الذي انتفض ضد الطبقة السياسية التي تحكمه، معتبراً تبعيتها لإيران أحد أهم أسباب وصول العراق لما هو عليه من فشل على جميع الأصعدة. وكما فاجأ الحراك الشعبي العراقي القيادة الإيرانية، فإنه قد فاجئ الطبقة السياسية الحاكمة والتي اعتمدت ولسنوات على التبعية الدينية للمرجعيات التابعة بدورها للمرجعية الإيرانية. هذا الحراك -والذي حتى اللحظة يبدو أنه مدرك لخطواته- يعلم جيداً أن خروج العراق من السيطرة الإيرانية هو بداية العودة إلى عراق يمكن أن يتعافى  

]]>